بالطبع الخلفية المألوفة للديمقراطية الدستورية، فالقانون هنا، وليس الإنسان، هو الملف، ويتكون الحكم جزئيا من مؤسسات متنافسية ومستقلة - مجالس نيابية، ومحاكم، وبيروقراطيات والتي تحد كثيرا من مجال التحرك أمام هؤلاء الذين يحكمون بشكل مرئي عادة إلى أبعد حد. ولكن أيضا ما هو أكثر أهمية هو الثقافة السياسية - المجموعة غير المعلنة عالية من المعتقدات والمواقف - والتي تدعم هذه الآليات المؤسساتية: إن كون جميع البشر بولدون متساويين ويمنحون حقوقا أساسية، وان كون الحكم أو الدولة موجودة، أو يجب أن توجد أساسا الضمان هذه الحقوق، البدهيات إن كون الحاكم هو إذن خادم الناس وليس سيدهم، وإن كون الحكم لا يمكن الوثوق به مالم يكن هناك إشراف عليه من قبل ممثلي الشعب المنتخبين - تلك هي البدهيات السياسية التي تشكل توقعات الشعوب وطموحاث السياسيين اليوم في الغرب النامي بالتأكيد، ولكن حتى في أماكن عديدة من العالم، لا تتمتع بعد بديمقراطية دستورية راسخة.
ان مؤسسات وثقافة الديمقراطية الحديثة لم تتطور هكذا ببساطة. فقد نشأت من قلب نظام خاص من التفكير. ونظام التفكير هذا - دعنا نسميه المؤسساتية الليبرالية - وجد نصيرة الأكثر تأثيرا في الفيلسوف والناشر الإنكليزي جون لوك، وقد نشرت أفضل أعمال لوك المعروفة «رسالة البحث الثانية حول موضوع الحكم، ولأول مرة بعد فترة قصيرة من قيام الثورة المجيدة العام 1688، والتي وضعت نهاية الحكم سلالة عائلة ستيورات وكبحت نهائيا الذرائع المؤيدة للحكم المطلق للملوك الإنكليز. وكانت صياغة لولك لمبادئ الحكم المحدود، أساسية في تشكيل تطور الفكر والممارسة المؤسساتية في القرن الذي تلا - فترته التكوينية الحساسة، وكان تأثيره ملموسة ليس فقط في إنكلترا ذاتها وإنما في المستعمرات الأميركية وحتى في فرنسا ذات الحكم المطلق - ويعود الفضل في ذلك إلى تشارلز سيكوندات، بارون دو مونتيسكيو، النصير الثاني العظيم للمؤسساتية الليبرالية - وعندما تحدث المؤسسون الأميركيون عن «علوم سياسية جديدة، توجه مساعيهم الخاصة، فقد كانوا يفكرون بالدرجة الأولى في لوك ومونتيسكيو)