لكل شيء، فذلك في رأينا امر تجريدي تماما، رغم تکرار حدوثه، واعتبار الطريقة التي يتم بها الالتفاف (الاحاطة) على موضع وكأنه من مبتكرات عبقرية فذة. رغم ان تقويم مثل هذا الابداع الفردي والثناء عليه أمران ضروريان، ويؤثران بشكل كبير على قيمة و معنى التحليلات النقدية.
عندما قرر نابليون في 30/ تموز/1799 رفع الحصار عن (مانتوا) ليتفرغ لصد تقدم (قورمسير) ، وانقض بكل قوته على ارتال خصمه هذا وهي بعد منفصلة عن بعضها ببحيرة (کاردا) (1) ونهر (منبشير) ، وقد فعل ذلك لتأكده انها الطريقة الأفضل التي تضمن له انتصارات حاسمة. وقد تحققت تلك الانتصارات فعلا، بل و كررها وبشكل اكثر حسما ضد المحاولات التالية لرفع الحصار عن (مانتوا) . ولا يسع المرء ازاء ذلك الا ابداء الاعجاب اللامتناهي به.
لكن يظل امامنا أن نابليون ما كان قادرا على اختيار هذا المسلك في 30 تموز دون التخلي عن أية امال في احتلال المدينة، اذ لم يعد بوسعه محاصرتها بقوات كافية، أو اعادة الحصار خلال مسار الحملة. لقد تحول الحصار الى مجرد تطويق للمدينة التي كان يمكن أن تسقط خلال اسبوع لو تواصل الحصار، لذا استطاعت الصمود لستة اشهر اخرى رغم كل انتصارات نابليون في الميدان.
ا لعجز النقاد عن التوصية بطريقة افضل للمقاومة، فقد اعتبروا ما حدث محنة لا يمكن تجنبها. لقد تسبب ذلك في سقوط بل و ازدراء فكرة مقاومة جيش إنقاذ من وراء خطوط محصنة وبشكل لا مثيل له. رغم ان عملا كهذا غالبا ما استخدم بنجاح، في ايام لويس الرابع عشر (1938 - 1715) حتى ليسع المرء القول انها (موضة) تلك الايام، لكن و بعد مائة عام فلم يجرأ اي كان على البحث في قيمة ذلك العمل على الأقل. ولو قبلت تلك الامكانية، فان تفحصأ دقيقة للموقف كان سيوضح لنا أن بوسع نابليون وضع (40) الفأ من أفضل جنود المشاة في العالم خلف خطوط محصنة عند مدينة مانتوا، وكان هؤلاء لو أحسن تحصين مواضعهم قادرين دون وجل على صد القوة النمساوية من (50) الف والتي كان سيحاول (فورمسير) تحرير المدينة بهم، فلم
(1) بحيرة كاردا بطول حوالي 60 كم وتقع شمال و مانتره و أما النهر فهو ما بين المدينة والبحيرة , المترجم