ولا تعدو الريادة والمهانة [1] أبدًا إيضاح الأهداف التي ارتسمها كل من الخصمين لنفسه، والوسائل التي يستعملانها لبلوغ الأهداف. وتشتمل هذه الوسائل على استعمال كافة نقاط الضعف لدى العدو. فإذا ما حلَّل المرء واحدة من حروب التحاصُن لاحظ أن كل سرية فيها مأخوذة على انفراد يتميز عملها بمميزات حرب الغوار ذاتها: تأثير المفاجأة، الخداع، العمل الليلي. وإذا لم تستعمل هذه الصيالة، فمرد ذلك إلى تعذر مداهمة الأعداء الساهرين. ولما كانت الغوارة بحد ذاتها جماعة مسلحة وإن ثمة مناطق واسعة لا يراقبها العدو، فيمكن إحداث تأثير المفاجأة دومًا، ومن واجب المغاوير أن يفعلوا ذلك.
إنهم يصفون عمل المغاور ذمًَّا بقولهم:"عضّ واهرب"، وهو صحيح. عض واهرب، تريَّث، راقب، عُدْ ثانية عضّ واهرب مرة أخرى وهكذا دواليك، دون أن تترك للعدو راحة. يبدو في الظاهر أن هذه التراجعات، هذا الرفض للقتال الجبهي، تؤلف موقفًا سلبيًا، إلا أنها في الواقع نتائج الريادة العامة لحرب الغوار، التي تطابق غايتها النهائية غاية كل حرب: الظفر وإفناء العدو.
من الثابت أن حرب الغوار تؤلف أحد أطوار الحرب، فلا يستطيع هذا الطور وحده أن يؤدي إلى الظفر. إنه أحد الأطوار الأولى من الحرب، وسوف يتطور حتى يكتسب الجيش الثائر، إبان نموه المستمر، مميزات جيش نظامي. يكون قد تهيأ عند ذلك لأن يكيل الضربات النهائية للعدو وأن يظفر. فإذا كان النضال في البدء من شأن غوّارة واحدة، فالظفر سيكون دائمًا من شأن جيش نظامي.
(1) المهانة: جملة الوسائل والفنون الخاصة بمهنة أو صناعة. (التكنيك، التكنولوجيا) .