الصفحة 46 من 950

ما هو المدى الذي وصلت إليه المجتمعات في تغيرها في النصف الأول من القرن التاسع عشر؟ كان هناك تغيير مؤكد في بنية السلطة الاجتماعية في المدن، على الأقل في تلك المدن التي كانت مراكز الحكومات إصلاحية وتجارة خارجية، ومنذ أن اضطلعت الحكومة بجزء متزايد في تنظيم الحياة الاجتماعية اكتسبت البيروقراطية وخاصة البيروقراطية العليا? سلطة أكبر ففي المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة العثمانية انقرضت السلالات الحاكمة المحلية السابقة. لكن أعيان المدن الذين نشأوا حولهم استمروا في كونهم وسطاء ناقدين بين الحكام القادمين من استنبول وسكان المدن. وازداد التجار الذين تعاملوا مع اوروبا غني وسلطة وقد كان معظم هؤلاء من الأوروبيين أو المسيحيين واليهود المحليين، في المدن العثمانية ومصر أما في إيران فكان أكثرهم مسلمين، ومن جهة أخرى فقد التجار الذين

ظلوا في تجارتهم القدية مستخدمين الطرق البرية بعضا من مواقعهم وكذلك فعل أصحاب الحرف الذين حلت أنواع جديدة مستوردة من أوروبا محل منتجاتهم. وبرزت في استنبول والقاهرة وتونس طبقة من الرجال الذي تلقوا ثقافة أوروبية بينهم ضباط وموظفون ومعلمون وأطباء، ولكنهم ظلوا حتى ذلك الحين هامشين ولم يمارسوا تأثيرا كبيرا في المجتمع وظل الحس الأخلاقي عند الطوائف بهيمن عليه أولئك الذين تلقوا علوما دينية.

وفي الأرياف تعاظمت سيطرة كبار ملاكي الأرض بقدر ما اتسعت هيمنة الحكومة وفي مصر جرد محمد علي كثيرا من مالكي الأرض من ممتلكاتهم وأصبح هو نفسه أكبر مالك للأرض إلا أنه في منتصف القرن أعطيت أراض كثيرة، لموظفين من السلالة الحاكمة ولضباط في الجيش، وفي المقاطعات العثمانية أدى قانون الأراضي الذي صدر في عام 1858 إلى تشكيل ملكيات واسعة من قبل التجار وأعيان المدن ورؤساء القبائل، واستمرت وتيرة الإنتاج في الريف على ما كانت عليه سابقا إلا في تلك المناطق التي أخذت تنتج المواد الأولية لأوروبا كالحرير في لبنان والقطن في مصر حيث بدأ الري الدائم يترك تأثيره في النماذج القديمة من المنتجات الفصلية.

لقد شهد نصف القرن الممند تقريبا من 1890 إلى بداية الحرب العالمية الأولى في عام 1914 استمرارا من بعض الوجوه للعمليات التي بدأت في أوائل القرن فقد اتسع نطاق هيمنة الحكومة وذلك بفضل دخول الطرائق الجديدة في الاتصالات - السكك الحديدية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت