شارل عيساوي بني اقتصاد عالي مستند إلى أوروبا الغربية في القرن الذي يقع بين حروب نابوليون والحرب العالمية الأولى. ويمكن أن نميز مظهرين في هذه العملية، فمن جهة اندمجت المناطق المتنوعة تباعا في اقتصاد عالمي عريض، ونظام مالي عبر نقليات آلية وهجرة كثيفة، وتدفق راسمال كبير، واتساع هائل في التجارة العالمية، ومن جهة أخرى تحول اقتصاد البلدان غير الأوروبية تحولا عميقا، وازداد عدد السكان اضعافا عديدة بفضل انتشار الأمن ودخول العناية الصحية الحديثة وانحسار المجاعات ونقص معدل الوفيات: واتسع حجم الإنتاج الزراعي كثيرا وتضاعف تصدير المحاصيل النقدية استجابة لارتفاع الطلب الأوروبي على المواد الخام الذي ساعد عليه الانخفاض الحاد في كلفة النقل. وأدى هذا كله بدوره إلى انكفاء عميق في نظام ملكية الأرض الذي نتج بصورة عامة عن تحول في الملكية المشتركة أو القبلية إلى حقوق الملكية الفردية. وبطلت المنافسة إلى حد كبير بين الصناعات اليدوية المعروضة وبين البضائع الأوروبية المتعة آليا، ومنذ ذلك الوقت ولأسباب متنوعة اقتصادية واجتماعية وسياسية لم تبرز المصانع الحديثة لتأخذ دورها وهي عملية نزع للتصنيع حدثت في أماكن عديدة من العالم، كما تحولت النظم الاجتماعية أيضا وازداد انعدام المساواة السائد في هذه البلدان حدة. ومع أن مستوى عيش الجماهير ارتفع غالبا في معظم الأماكن خلال القسم الأعظم من هذه المرحلة، فإن دخل الطبقة العليا وغناها از دادا كثيرا وبسرعة، وأخيرا كانت عوامل التغير الفاعلة أجنبية في معظمها - إما أوروبية أو امريكية او مهاجرة من البلدان المجاورة مثل الصينيين والهنود في جنوب شرق آسيا
يلائم هذا الوصف السابق الشرق الأوسط إلى درجة كبيرة في المرحلة التي هي قيد النظر. وغاية هذه الورقة هي أن نفحص اين وفي أية جوانب اختلفت المنطقة عن النماذج والاتجاهات السائدة