الصفحة 34 من 950

وينزع جيل مبكر من مؤرخي الشرق الأوسط إلى رؤية النوع الثاني من التغير وحسب، مفترضين أن المجتمعات القديمة التي دخلتها تلك التغيرات كانت راكدة أو متلاشة وعاجزة عن المقاومة. وتبعا لهذه النظرة سيكون التاريخ الحديث للشرق الأوسط تاريخ فرض انواع مختلفة من الهيمنة الأوربية على مجتمعات سلبية عديمة المقاومة

تلك هي الطريقة التي يميل مؤرخو الدبلوماسية الأوربية إلى رؤية المنطقة من خلالها. أي كتاريخ اللمسألة الشرقية، وبكلمة أخرى رؤية الشرق الأوسط کمشكلة في العلاقات بين الدول الأوربية العظمى، وبمعنى آخر إنها الطريقة التي ينظر بموجبها أولئك الذين يرون التاريخ في معادلات إسلامية أصولية: كتاريخ لمجتمعات مسلية لديها معاييرها الخاصة الموروثة في السلوك المشترك والتي تتسم المرحلة الحديثة في نظرها محاولات القوى الأجنبية أو الحكام المحليين الذين لا يؤمنون على تراثهم، فرض نظام مصطنع على المجتمع. >

ولعل من الأفضل على كل حال أن ننظر إلى تاريخ هذه المرحلة ضمن عملية تاثير متبادل معقد: منها رغبة المجتمعات القديمة المستقرة في إعادة بناء نفسها محتفظة بما هو من

خصائصها مع العمل على التغييرات على إدخال التغييرات الضرورية لكي تبقى حية في عالم حديث منظم أكثر فأكثر على أسس أخرى حيث مراكز القوة العالمية ظلت طويلا ولا تزال خارج الشرق الأوسط.

عندما بدأت هذه العملية التي يمكن أن نسميها الحديثة، كان القسم الأعظم من الشرق الأوسط تحكمه إمبراطوريتان عظيمتان: العثمانية والصفوية، وعلى الرغم من الاختلافات بينهما فإن هناك أوجه شبه عظيمة بين المجتمعات التي كانتا تحکمانها. فقد كانت نتاج مجمل تطور الحضارة الإسلامية التي كانوا وارثيها، وفيما عدا بعض الأجزاء المتباعدةمعظم الجزيرة العربية وبعض مناطق وادي النيل الجنوبية فقد كانت تلك مجتمعات تحكمها مدن وعلاقات بين سكان المدينة وأولئك الذين يحكمونهم وكانت المدن الكبرى مراكز صناعية بحسب الطرائق التقليدية مع بقاء الكثير من التجارة العالمية بين المناطق الموجودة في الشرق أو الغرب منها، وكانت العناصر المهيمنة على المجتمعات المدنية مؤلفة من ثلاث جماعات: التجار وخاصة أولئك المنخرطون في تجارة السلع الثمينة العالمية، رؤساء الحرفيين و العلماء، وهم الملتزمون بدراسة الشريعة وتعليمها وشرحها وتطبيقها (وهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت