الصفحة 32 من 950

وقد ظهرت تدريجيا انقسامات واسعة بين القسم العربي من العالم الإسلامي حيث كانت اللغة العربية لغة الثقافة الرئيسية وحيث كانت النخبة الحاكمة عبر قرون عديدة من الترك أو من مجموعات أخرى هاجرت من آسيا الوسطى وبين القسم الشرقي حيث كانت الفارسية لغة الثقافة الرفيعة إلى جانب العربية وحيث النخبة الحاكمة التي تقبض على زمام السلطة هي من أصول تركية أيضا. وقد عبر هذا الانقسام عن نفسه في الأزمنة الحديثة بتشكل إمبراطوريتين عظيمتين: العثمانية في الغرب والصفوية في الشرق، وانخلت الصراعات السياسية بينهما شكلا دينيا فتبنى العثمانيون الإسلام السني في حين أعلن الصفويون المذهب الشيعي مذهبا رسميا لدولتهم.

يقتصر هذا الكتاب على المرحلة الحديثة، أي على القرنين التاسع عشر والعشرين مع أن كل تقسيم لاستمرارية الزمن التاريخي يوشك أن يكون تعسفيا إلى حد ما إلا أن التغيرات التي جرت في الشرق الأوسط، كما في بقية أنحاء العالم، خلال القرنين الأخيرين كانت من الضخامة والعمق بحيث يمكن أن ينظر إليها كمرحلة جديدة متميزة في تاريخ العالم.

ولا ريب أنه مما يجائب الدقة أن نتحدث بعبارات تشير إلى قطيعة كاملة عن الماضي كما لو أن ما وجد من قبل قد تم استبداله تماما بشيء آخر جديد، بل إن الأقرب للصواب أن يفكر المرء بأن العملية تنشا عن تبادل في التأثير معقد بين إيقاعين للتغيير. فمن جهة كانت هنالك مجتمعات قديمة أوجدها استخدام معين المصادر طبيعية واتخذت نظاما وتوجها بفعل قوانين وشعائر و مذاهب الدين المسيطر وهو الإسلام وحکمتها حكومات إمبراطورية مسلمة ولم يكن هذا المجتمع ساكتا بل كان متغيرا بفعل عمليات ولدت من داخله وكانت محدودة بسبب المصادر التي استطاعت توفيرها تقانة ذلك الزمان، ومن جهة أخرى كانت هناك تغيرات من نوع آخر، وبسرعة في التقدم مختلفة أصبحت ممكنة بفضل استخدام التقانة الجديدة والتراكم الناتج عن أعظم المصادر في شمال غرب أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وقد وصلت هذه التبدلات إلى الشرق الأوسط مثله مثل بقية أجزاء العالم عن طريق التجارة العالمية وأنواع جديدة من الاتصالات والثقافة وأشكال

جديدة من الإدارة والقانون فرضتها أحيانا الحكومات المحلية الراغبة في امتلاك قوة الدول الأوربية وأحيانا تلك الدول نفسها عندما وسعت إمبراطورياتها بواسطة القوة العسكرية التي حصلت عليها بفعل التغيرات في مجتمعاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت