الصفحة 88 من 89

الوجه الرابع: أن هذه الطائفة المستمرة هي في الغرب، ومفهومها أنه لا تكون طائفة في غير الغرب منصورة باستمرار، ولا يعني أنه لا يوجد في الشرق مثلا طائفة منصورة البتة، فالحديث لم ينف ذلك؛ لأن مفهوم المخالفة لا عموم له؛ أي: يصدق بصورة واحدة، والمفهوم المنفي هو وجود طائفة منصورة باستمرار في غير الغرب، لكن ليس في الحديث أنه لا توجد طائفة منصورة في غير الغرب أحيانا، والواقع يؤيد هذه القواعد الأصولية.

الوجه الخامس: أن هذه الطائفة المنصورة مجتمعة فيما يبدو لا متفرقة، وهو ظاهر كلام قتادة وأحمد المتقدمَين؛ إذ جعلاها في الشام، وهو ظاهر كلام ابن تيمية؛ إذ جعل طائفة معاوية-رضي الله عنه-هي الطائفة المنصورة دون طائفة علي-رضي الله عنه-.

وبهذا نعلم أن الطائفة المنصورة مجتمعة غير متفرقة بخلاف أحاديث الاستمساك بالجماعة وحديث الفرقة الناجية؛ فإنه لا يلزم أن تكون مجتمعة في بلد واحد، فالصحابة تفرقوا في البلدان، وحصل بينهم نزاع كعلي ومعاوية-رضي الله عنهما-وكلهم من الجماعة ومن الفرقة الناجية، ولهذا رجح الشافعي أن لزوم الجماعة لا يلزم منه اجتماع الأبدان، فقال في الرسالة (1/ 473) : (فلم يكن في لزوم الأبدان معنى، لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما) .

الوجه السادس: أن هذه الطائفة خير الطوائف المجتمعة، ولا يلزم أن من ليس من هذه الطائفة أنه على باطل، بل قد يكون من ليس في هذه الطائفة خير من كل فرد من أفراد الطائفة المنصورة، وهذا ظاهر كلام ابن تيمية؛ إذ جعل طائفة معاوية-رضي الله عنه- هي الطائفة المنصورة وهي على الحق في الجملة أكثر من الحق في طائفة علي في الجملة، وبيَّن أن علي-رضي الله عنه-خير أهل زمانه، وهو وطائفته أقرب إلى الحق في قتاله ذاك من طائفة معاوية، لكن التفضيل المعين الجزئي لا يستلزم التفضيل العام الكلي، قال ابن تيمية كما مجموع الفتاوى (4/ 444) : (ولما تركوا ما يجب من نصره صاروا أهل باطل وظلم؛ إذ ذاك يكون تارة لترك الحق، وتارة لتعدي الحق= فصار حينئذ شيعة عثمان الذين مع معاوية أرجح منهم؛ ولهذا انتصروا عليهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت