إن مسألة التسلسل أو الحوادث التي لا أول لها، قد ذكرها المؤلفان من باب المثال في حالتين من خمس حالات يتجلى فيها تمثل ابن تيمية لمذهب السلف، وهذا يدل على شحٍ وعدم تمييز بين بعض الحالات!
ففي الحالة الثالثة (النقل والتقرير مع التطوير والدمج في بنية أكبر) قالا في (162) : (يدمج ابن تيمية قول من قال من السلف أنه يتكلم(إذا شاء) في بحث (التسلسل) مطورا معنى (إذا شاء) وفق عمومه واستلزامه تلك الحرية في الإرادة أنه جار في البداية والنهاية؛ ومن ثم يمكن إدراج (يتكلم إذا شاء) في (تسلسل الأفعال الاختيارية في ذاته أبدا وأزلا) .. تلك هي المرحلة الأولى من ديمومة الكلام إلى ديمومة جنس الفعل الاختياري، ومن ثم التخريج-وهناك تخريج جزئي وهو ضروري ولازم في عملية الدمج في المسألة الأوسع بطبيعة الحال-لمسألة التسلسل".. )"
وهاهنا عدة ملحوظات:
الأولى: أنهما ظنا أن ابن تيمية فهم التسلسل منذ الأزل من قول السلف: (إذا شاء) ، وهذا ظن يحتاج إلى تحرير:
أ-أن مجرد إثبات مطلق المشيئة في الكلام والفعل كقولهم: (يفعل إذا شاء) وقوله تعالى: (فعال لما يشاء) ونظائر ذلك لا يستلزم بنفسه وجود المفعولات المتعاقبة منذ الأزل، وغايته أن يدل على إمكان ذلك، فالإمكان الخارجي لا يستلزم الوجود الخارجي إلا بضروب من الاستدلال أخرى، فهو إما أن يستدل به مجردا على عدم امتناع التسلسل، أو يستدل به مع أدلة أخرى على كمال التسلسل المستلزم لوجوده في الخارج.
ولهذا ذهب طائفة من المتكلمين، وبعض أهل السنة إلى إثبات المشيئة، وأفعال الله الاختيارية القائمة بذاته مع نفيهم لتسلسل المفعولات سواء كان ذلك لامتناع وقوعها كما يقول الكرامية، أو لمجرد عدم وقوعها، ولا ريب أن الامتناع يتنافى مع المشيئة المطلقة بخلاف عدم الوقوع؛ إذ غايته أنه لم يشأ وقوعه في الأزل كما أنه يَقْدِر على جعل الناس أمة واحدة لكنه لم يشأ ذلك قال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) ، فهو لم يشأ أن يخلق في الأزل ثم شاءه حين خلق هذا العالم.