الصفحة 42 من 89

وسيأتي وجه استدلال ابن تيمية من مقولة السلف هذه على التسلسل.

ب-أنه قد يُثبِت تسلسل المفعولات في الماضي من لا يثبت المشيئة كالفلاسفة المشائيين الذين يثبتون تسلسل المفعولات وهم ينفون المشيئة، بل ينفون صدور الحوادث عن الله تعالى؛ لأنه عند الفلاسفة علة تامة تستلزم معلولها في الأزل: من عقول وأجرام، وأن الأجرام قديمة بالذات (التكوين) حادثة بالعرض (الحركة) وهي تتحرك تشبها وعشقا كما يقول أرسطو، أو تتحرك امتثالا لأمر الله القديم كما يقول ابن رشد الحفيد .. ومن خلال حركة الأجرام تتسلسل الحوادث .. فالخالق عندهم هو المحرِّك لا المكون، قال ابن رشد الحفيد في تهافت التهافت: (فالفلاسفة لما كانوا يعتقدون أن الحركة فعل الفاعل، وأن العالم لا يتم وجوده إلا بالحركة، قالوا: إن الفاعل للحركة هو الفاعل للعالم) ، ولا ريب أن الله تعالى هو المحرك للعلم كيف شاء كما أنه الموجد له من العدم.

والمقصود أن نفي المشيئة لا تستلزم نفي التسلسل في المفعولات باعتبار أنه لم يزل يصدر من القديم الأزلي مفعولات متعاقبة بغير اختياره ومشيئته، وتسلسل المفعولات من القديم غير المختار غير ممتنع عقلا وإن كان يلزم منه أنواعا من النقص؛ مما يدل على أنه قد تنفصل المشيئة عن التسلسل.

ج- أن المتكلمين من المعتزلة والكلابية والأشعرية متفقون على أن الله ليس موجبا بذاته بمعنى أنه ليس علة تستلزم معلولها المنافي للمشيئة والاختيار (الإرادة) ، ومتفقون على أن كل حادث في العالم مرادٌ لله تعالى سواء كانت إرادته مخلوقة حادثة لا في محل كما هو المشهور عن المعتزلة، أو إرادة قديمة قائمة بذاته كما يقول الكلابية والأشعرية، وهؤلاء متفقون على نفي جنس المخلوقات في الأزل؛ ولهذا قال المطهر المعتزلي (ت:355) في البدء والتاريخ: (1/ 159) : (ولا يطلق المسلمون القول بأن الله تعالى لم يزل يفعل؛ لأن ذلك يوجب أزلية الخلق ويؤدي إلى قول من يرى المعلول مع العلة) ، ويقصد بالمسلمين أي المتكلمين فهو لا يعرف سواهم، وأما أقوال سلف الأمة وساداتها فليس له علم بها.

وأما (الكلام) : فهو من جنس الفعل عند المعتزلة مخلوق، وهو عند الكلابية والأشعرية صفة ذات لا تعلق له بالمشيئة كالعلم والسمع والبصر وسائر الصفات الذاتية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت