الثانية: الصواب أن ابن تيمية وغيره فهموا التسلسل من جزئي جملة السلف، قال ابن تيمية [1] : (فبين أن الكلام يتعلق بمشيئته وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء فرد قول من لا يجعل الكلام متعلقًا بالمشيئة، كقول الكلابية ومن وافقهم، ومن يقول: كان ولا يتكلم حتى حدث له الكلام كقول الكرامية ونحوهم) ويوضح ذلك الآتي:
1 - (لم يزل متكلما) على أنه متكلم في الأزل، قال الاستراباذي [2] : (وأَزَلِيّ منسوب إلى لم يزل) ، وبصرف النظر عن الأصل منهما؛ فإنه من المؤكد أن مادتهما واحدة في معنى الزمن الماضي، فقولهم: (لم يزل) مفيدة لديمومة خبرها في الماضي بلا أول وهو"الكلام"هنا، وإن كان قد يفهم منها التقييد بقرائن.
وقولهم (لم يزل متكلما) فيه ردٌ على المعتزلة والكرامية وبعض أهل السنة، قال ابن تيمية [3] : (وهذا قول الكرامية وغيرهم ممن يقولون: كلام الله حادث ومحدث في ذات الله تعالى، وأن الله تكلم بعد أن لم يكن يتكلم أصلًا، وأن الله يمتنع أن يقال في حقه: ما زال متكلمًا، وهذا مما أنكره الإمام أحمد وغيره.) .
2 - (إذا شاء) فيه رد على الكلابية والأشعرية؛ إذ الكلام صفة ذاتية كالعلم والسمع والبصر والقدرة ونظائرها؛ فتقييد الكلام بالمشيئة يدل على أنه من الصفات الفعلية عند السلف؛ فهم لا ينازعون في أن (الله لم يزل متكلما) وإنما ينازعون في تعليقه بالمشيئة!
والمشيئة أو الإرادة عندهم من صفات الذات أيضا فهي أزلية، ومتعلقاتها حادثة، وبين الإرادة القديمة والمراد الحادث أنواعٌ من السفسطة العقلية؛ لأن الإرادة القديمة-لحدوث أول حادث-إما منجزة وإما معلقة على حادث قبله، لا جائزٌ أن تعلَّق على حادث قبله؛ لأنه قد فرض أنه أول حادث: وهذا خلفٌ، فلم يبق إلا أن تكون الإرادة منجزة وهي تستلزم حصول مرادها عقيبها.
والإرادة للأول-جل ثناؤه-: إما أن تكون إرادة واحدة قديمة، أو إرادات متعاقبة لا أول لها، لا جائزٌ أن تكون إرادة قديمة واحدة؛ لأن مرادها سيكون قديما لا متعاقبا، وقد فُرض
(1) الدرء (2/ 298)
(2) شرح شافية ابن الحاجب (1/ 414) :
(3) الدرء (2/ 254)