الصفحة 87 من 89

الوجه الثاني: أن مقصود الأئمة-والله أعلم-بأن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث أي موافِقة لاعتقاد أهل الحديث كما وضحه القاضي عياض وغيره، وهو ظاهر كلام قتادة وأحمد بن حنبل وغيرهما؛ إذ هما يحددان مكان هذه الطائفة في الشام لا في سائر البلدان التي يعيش فيها أهل الحديث، قال ابن عساكر في تاريخ دمشق (1/ 259) : (قال الأوزاعي فحدثت به قتادة فقال لا أعلم أولئك إلا أهل الشام) ، ويبدو أن الأوزاعي أقرَّ قتادة، وقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (4/ 446) : (قال الإمام أحمد: وأهل الغرب هم أهل الشام) .

وقد جاءت النصوص الشرعية تارة مطلقة لم تقيد بمكان، وتارة جاءت مقيدة بأهل الغرب، ومقتضى القواعد الأصولية عند جمهور العلماء أن المقيد يقضي على المطلق؛ وعليه تكون تلك الطائفة المنصورة في الغرب.

الوجه الثالث: أن دلائل النصوص تفيد أن هذه الطائفة لا تكون إلا في الغرب، ولفظة (الغرب) وصف مشتق مناسب، ومفهومه أنها لا تكون في غيرهم، وهذا المفهوم حجة عند جمهور العلماء كالشافعي وأحمد وغيرهما، ووجه مناسبته أن الغرب موطن البركة والانتصارات آخر الزمان كما دلت عليه النصوص، فهو يناسب الطائفة المنصورة كما أن الشرق موطن الفتن؛ وهذا يدل على أن الطائفة المنصورة لا تكون في غير الغرب، قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (4/ 446) : (أن النصوص عينت أنهم بالشام كقول معاذ وكما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يزال أهل الغرب ظاهرين"قال الإمام أحمد: وأهل الغرب هم أهل الشام. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقيما بالمدينة فما يغرب عنها فهو غربه وما يشرق عنها فهو شرقه وكان يسمي أهل نجد وما يشرق عنها أهل المشرق كما قال ابن عمر: قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرا". وقد استفاضت السنن عن النبي-صلى الله عليه وسلم- في الشر أن أصله من المشرق: كقوله:"الفتنة من هاهنا الفتنة من هاهنا"ويشير إلى المشرق وقوله صلى الله عليه وسلم"رأس الكفر نحو المشرق"ونحو ذلك.) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت