وهذا الدليل على اعتبار أن العقل في الرأس، وهذا لا يمكن التسليم به كما تقدم بيان محل العقل حيث إن في الأمر خلافا بين العلماء.
ومن خلال النظر والتبصر في أقوال العلماء في هذه المسألة، وما استدل به كل فريق يظهر أن أرجح القولين هو عدم تداخل الديات، وذلك لقوة أدلة القائلين بذلك والله أعلم.
-النوع 2: تحريم جميع السلع المفسدة لعقل المستهلك.
إن حفظ العقل أحد المقاصد الخمسة التي أمرت الشريعة الإسلامية بالحفاظ عليها، لذلك حرمت جميع السلع والخدمات المفسدة له، أو المخرجة له عن طبيعته المدركة والعاقلة، فكل ما من شأنه أن يهدر عقل الإنسان أو يتسبب في تعطيله مؤقتا أو دائما، اتخذ الشارع منه موقفا حاسما وهو موقف الرفض والتحريم، لأن اختلال عقل الإنسان في التصور الإسلامي يعني اختلال نظام حياته، فتتحول هذه الأخيرة - بدون تدبير العقل وتخطيطه وتنظيمه - إلى جحيم لا يطاق، وعلى أساس ذلك تتحول لذة الحياة إلى مرارة تعكر النعيم الدنيوي للإنسان.
وعلى أساس ذلك حرم الشارع جميع السلع والمنتجات والخدمات التي تؤثر سلبا على العقل، وتخرجه عن طبيعته العاقلة. لأن للعقل آفات وحواجب تعطل عمله، وتقلل من قدرته، وإن لم تشله شللا تاما عن القيام بالمهام التي أوكلها الله تعالى به. ويمكن تقسيم السلع المفسدة له إلى قسمين:
-سلع مادية كالخمر والمخدرات [1]
-سلع معنوية: كالأوهام والخرافات والأساطير.
وقد حرم الإسلام كل ذلك، وحاربه ومنعه من التداول بين الناس، وفي هذا احترام للعقل وتكريم له. أضف إلى ذلك أن الإسلام أعلن حربا ضد الخرافات والدجل والشعوذة والاستعانة بالجن والعفاريت وغيرها مما فيه استهانة بعقل الانسان وحط من قيمته، كما حرم الإسلام كل صور ادعاء معرفة الغيب كالعرافة والكهانة والتنجيم.
لقد عاب الإسلام على كل من يؤمن بالخرافات والأباطيل، التي تقلل من شأن العقل وتزدريه، وشبهه علماء الإسلام كمن أعطي مصباحا يستنير به، فأطفاه وبدأ يسير في الظلمات على غير هدى ولا بينة.
(1) - انظر تفاصيل ذلك في النوع الثالث من هذا الفرع، بعنوان: نماذج للسلع المفسدة للعقل.