أما الشافعية فالضرورة عندهم هي:"بلوغ المكلف حدا إن لم يفعل الممنوع هلك أو قارب، وهذا يبيح تناول الحرام" [1] .
والضرورة عند الحنفية:"هي خوف الضرر على النفس أو بعض أعضائها بترك الأكل" [2] . وقيل أيضا هي:"بلوغ المكلف حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب" [3] .
أما الحنابلة:"فالضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل" [4] ، وقيل هي:"أن يخاف الإنسان ضررا أو مرضا أو انقطاعا عن الرفقة يخشى معه الهلاك" [5] .
والمستخلص من هذه التعاريف أن مفهوم الضرورة متقارب عند الفقهاء في المذاهب الأربعة، وأن معانيها كلها تدور حول دفع الضرر عن النفس وما دونها، علما أو ظنا، ولا يشترط في المضطر أن يصبر حتى يشرف على الموت للأكل من المحرمات.
لا خلاف بين الفقهاء في أن من ترك الطعام الحلال حتى هلك يكون آثما، لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة: 194) . كما نهى الله عز وجل عن التسبب في قتل النفس قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (النساء: 29) .
ولكنهم اختلفوا في المضطر يجد الميتة أو غيرها من صنوف المحرمات الأخرى، التي يمكن أن يسد بها رمقه، ويقوي بها بدنه، هل يجب عليه الأكل منها، أم يباح له فقط؟
اختلف الفقهاء في حكم المسألة على قولين اثنين:
+ القول الأول:
ذهب أصحاب هذا القول إلى وجوب أكل المضطر من المحرمات إبقاء لحياته، ودرء للتسبب في هلاكها، ولو لم يفعل حتى هلك لكان آثما عاصيا لله عز وجل، وهذا ما ذهب إليه جمهور
(1) -"الأشباه والنظائر"للسيوطي: ص: 172.
(2) -"أحكام القرآن"للجصاص: 1/ 159.
(3) -"حاشية"الحموي: 1/ 119.
(4) -"المغني"لابن قدامة: 13/ 331.
(5) -"الإنصاف"لأبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (ت: 885 هـ) : 10/ 369، تحقيق محمد حامد الفقي، دار إحياء التراث العربي، د ط ود ت.