فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 117

ويدل على ذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث سعد بن عبيدة قال: سمع ابن عمر رجلًا يحلف لا والكعبة فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من حلف بغير الله فقد أشرك".

وجاء في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"لأن الحلف لا يكون إلا بالله أو صفاته، ولا يجوز الحلف بغيره، وإن اعتقد أن المحلوف به بمنزلة الله في العظمة فهذا شرك أكبر كما سبق وإلا فهو شرك أصغر.

قال الألباني في السلسلة الصحيحة (5/ 71) بعدما نقل كلامًا للطحاوي في إثبات أن الحلف بغير الله شرك أصغر:"يعني والله أعلم أنه شرك لفظي وليس شركًا اعتقاديًا، والأول تحريمه من باب سدّ الذرائع، والآخر محرم لذاته، وهو كلام وجيه متين"أ. هـ.

ومن الشرك الأصغر في الألفاظ كذلك قول (ما شاء الله وشئت) ويدل على ذلك ما رواه أحمد وابن ماجه والنسائي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فقال: ما شاء الله يعني وشئت، فقال:"ويلك أجعلتني والله عِدلًا، قل: ما شاء الله وحده"وفي رواية"أجعلتني لله ندًا، قل: ما شاء الله وحده"فالحق أن يقول: ما شاء الله وحده أو ما شاء الله ثم شئت ومثله لولا الله ثم فلان، ففي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"أجعلتني لله ندًا"دليل على أن قول ما شاء الله وشئت، شرك أصغر إذ أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، قال تعالى:"وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [التكوير: 29] .

والأصل في هذا الشرك أنه شرك أصغر وقد يصل إلى الشرك الأكبر وذلك إذا اعتقد أنه يساوي الله - عز وجل - في المشيئة.

قال شيخنا ابن عثيمين في القول المفيد (2/ 378) :"فإن اعتقد أنه يساوي الله - عز وجل - في التدبير والمشيئة فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك واعتقد أن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء فهو شرك أصغر."

وهناك من الألفاظ ما يشابه ذلك ويوقع في الشرك الأصغر، وما أروع ما قاله الإمام ابن القيم في الجواب الكافي صـ (199) بعدما ذكر الحديث السابق حيث قال:"فكيف من يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا من حِسْب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ويقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذرًا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا، ونحو ذلك؟ فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله ندًا لله بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه، ندًا لرب العالمين"أ. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت