قال ابن كثير - رحمه الله:" {فإن تولوا} أي تخالفوا عن أمره {فإن الله لايحب الكافرين} فدل على أن مخالفته في الطريق كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين" [انظر تفسيره لهذه الآية من آل عمران آية (32) ]
المعرض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به، لا يعذر بجهله لأنه يستطيع رفعه بعدما بُيِّن له الحق، فالجاهل هو من لم يصله الحق ولم تبلغه الرسالة، وأما المعرض فهو من جاءه الحق ففرط به بإعراضه عنه.
قال ابن القيم - رحمه الله:"كل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلابد أنه يقول يوم القيامة {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} "
فإن قيل: فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى، كما قال تعالى {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} ؟
قيل: لا عذر لهذا وأمثاله من أهل الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولو ظن أنه مهتد، فإنه مفرِّط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى، فإذا ضل فإنما أُتي من تفريطه وإعراضه وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها، فذاك له حكم آخر.
والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول، وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه" [انظر مفتاح دار السعادة (1/ 43) ] ."
المسالة الرابعة: كيف الجمع بين أن ترك جنس العمل كفر مخرج من الملة وبين الأحاديث التي تدل على إخراج أناس من النار إلى الجنة وفي وصفهم أنهم لم يعملوا خيرًا قط؟
تقدم أن ترك جنس العمل بأن لا يعمل شيئًا من أعمال الجوارح مطلقا مع قدرته على العمل ويكتفي فقط بنطق الشهادتين كفر وهذا بالإجماع، وحكى الإجماع كل من:-
الحميدي كما أخرجه الخلال في السنة [انظر (3/ 586) رقم (1027) ] ، والشافعي كما ذكره ابن تيمية [انظر مجموع الفتاوى (7/ 209) ] ، وأبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان [انظر صفحة 18، 19] والآجري في كتاب الشريعة [انظر 2/ 611] ، وابن تيمية في مجموع الفتاوى [انظر (14/ 120]
فإن قيل كيف الجمع بين هذا وبين الأحاديث التي فيها دخول أناس الجنة وهم لم يعملوا خيرًا قط كحديث أبي سعيد - رضي الله عنه - الطويل في الشفاعة وفيه إخراج أقوام من النار لم يعملوا خيرًا قط، والحديث رواه مسلم، وكذلك