حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - المتفق عليه في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم كمل المائة ثم أرشده عالم إلى التوبة و الهجرة واللحاق بأرض كذا وكذا ليعبد الله مع أناس صالحين هناك وفي الطريق وافته المنية وفي الحديث قالت ملائكة العذاب: (( إنه لم يعمل خيرًا قط ) )وفي الحديث أخذته ملائكة الرحمة، ونحوها من الأحاديث في هذا المعنى.
والجواب على هذه الأحاديث عدة أجوبة أختار منها جوابين:-
الأول: أن الاستدلال بهذه الأحاديث يرد عليها احتمال أن الذين أخرجوا من النار وأدخلوا الجنة بغير عمل، إنما هم من الأمم السابقة وليسوا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ أن النار تجمع عصاة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم لاسيما وقد جاء في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - في خروج العصاة من النار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل: (( شفعت الملائكة وشفع النبيون ) )والاحتمال إذا ورد على الدليل بطل به الاستدلال، لاسيما إذا كان الاحتمال قويًا له حظ من النظر.
الثاني: أنه قد يكون المراد بهذه الأحاديث في قوله (( لم يعمل خيرًا قط ) )ليس نفي العمل كله، وإنما مع وجود أعمال أخرى، تأمل كيف أن الرجل الذي قتل المائة نفس تاب وهاجر إلى أرض يعبد الله تعالى بها. والتوبة والهجرة عملان صالحان عظيمان، ومع ذلك قالت عنه ملائكة العذاب (( إنه لم يعمل خيرًا قط ) )
وكذا في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند أحمد - رحمه الله - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، فكان يداين الناس فيقول لرسوله: خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا ) )وفي الحديث أن الله تجاوز عنه.
أنت ترى أنه قيل عنه لم يعمل خيرًا قط مع أنه كان يصفح ويتجاوز عن المعسرين ولذا بوب ابن حبان في صحيحه [ذكر البيان بأن هذا الرجل لم يعمل خيرًا قط إلا التجاوز عن المعسرين] [انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة (2/ 732) ]
وهناك أجوبة أخرى ويبقى ترك العمل في هذه الأحاديث معناه خلاف، والإجماع متقدم كما تقدم على أن ترك جنس العمل كفر، وأما القول بأنه لايزال مؤمنًا مع تركه جنس العمل فهو أصل اعتقاد المرجئة كما تعلم، فتنبه - رعاك الله - ... قال ابن تيمية:"ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان ولا يؤدي الزكاة ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح" [انظر مجموع الفتاوى (7/ 611) ]