نبيهم، وإعزاز أنفسهم.
وبهذا وأمثاله يظهر التفاوت بين سائر الأمم، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث قال الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين شاورهم في القتال يوم"بدر"مع أنه لم يحتم عليهم: يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ولو بلغت بنا برك الغماد ما تخلف عنك أحد. ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى: {اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن يسارك" [1] ."
هناك من يريد منا أن نكرر هذه الأسطورة .... هناك من يخاطب في الشعب بذور الطغيان ....
الشعب أراد ... الشعب قال كلمته ... الشعب يفعل ....
وهناك من يدندن حول الشريعة وموقف الشعب من تطبيق الشريعة ...
إن دعاة الشعب المختار يبثون سمومهم ... ويزرعون التمرد في قلوب العباد على ربهم ...
نسوا أو تناسوا أن هذا الشعب العظيم يستمد قوته من تمسكه بدينه ...
هذا الشعب ليس من أبناء من قالوا {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} بل هم من أبناء من قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ...
نحن لا نحتاج إلى رفع الجبل فوق رؤوسنا لنقبل شرع ربنا ....
فالشرع هو الذي فوق رؤوسنا ...
هناك من يريد أن نستنسخ التجربة وأن نحذو حذو المغضوب عليهم، إن (التطبيع) معى بني إسرائيل لا حد له عند من أشربوا في قلوبهم حب هؤلاء، ولقد حذرنا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء، ومن اتباع سنن الأمم العاصية لربها، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لَيَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَنَنِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ ) ) [2] ، بل واسمع لهذا التحذير الشديد (( لَيَأْتِيَنّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل، حَذْو النَّعْل بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمّه عَلَانِيَة لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَع ذَلِكَ ) ) [3] ، نعوذ بالله منهم ومن شرهم ...
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس:93] ، قال السعدي رحمه الله:"أي: أنزلهم الله وأسكنهم في مساكن آل فرعون، وأورثهم أرضهم وديارهم."
{وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} من المطاعم والمشارب وغيرهما {فَمَا اخْتَلَفُوا} في الحق {حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} الموجب لاجتماعهم وائتلافهم، ولكن بغى بعضهم على بعض، وصار لكثير منهم أهوية وأغراض تخالف الحق، فحصل بينهم من
(1) ) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:228.
(2) ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 17135،من حديث شداد بن أوس رضى الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 3312.
(3) ) أخرجه الترمذي في سننه: 2641، وحسنه الألباني.