إذْ لَم تَلدْ أمَّةٌ قَطٌّ ولَنْ تَلِدَا ... كأحمَدٍ تَمَّ فيه الخَلْقُ والشِّيَمُ [1]
تَكْدو القَوافي إذا انبَرَتْ لِتنعتَهُ ... ويَبْكَمُ الفِكْرُ والخَيالُ والقَلَمُ [2]
مِنْ طيبة انطلق الأصحابُ وانتشروا ... بِحزْمِهمْ باتَ صَرحُ الكفْرِ يَنْهدِمُ
لكي يَرى شَرقُنا والغَربُ نُورَهُمُ ... راحَ الصِّحابُ أجَلَّ الخَطْبِ تَقْتَحِمُ [3]
كانوا لدى السِّلْمِ كالجبالِ راسخةً ... وفي المعارك كالأمواج تَلْتَطِمُ
كانوا أُسُود الوغى في كلِّ مَلْحمةٍ ... منهم تَفرُّ العِدى كأنَّها غَنَمُ
صَدُّوا سُيولًا مِن الطغيان عاتيةً ... لم يوهنِ العَزْمَ مِنهم سيلُها العَرِمُ [4]
زاحوا جبالًا من الإشراك راسخةًًً ... كما تَزيحُ دُمًى حقيرةً قَدَمُ
ساحوا بِلاد العِدى تحدوهمو هِمَمُ ... كأنَّ أهْوَنَها البُركانُ والحُمَمُ
ساحوا ولمَّا حُصونَ خَصْمِهُمْ فتحوا ... لَمْ يَظلِموا مَنْ لَهُمْ دانتْ رِقابُهُمُ
بل خاطَبوهُمْ: هَلُمُّوا أيُّها الذِّمَمُ ... بِـ (لا إلهَ سوى الرَّحمنِ) نَحْتَكِمُ [5]
إن لم يكُن غَنِمُوا الدُنيا وزُخْرَفَها ... فإنَّ رضوانَ ربِّ العَرْشِ قَدْ غَنِمُوا
هذي مبادؤُنا ما مَلَّ طالبُها ... أنَّى تُمَلُّ بُدوُر اللَّيلِ والدِّيَمُ
فهْيَ الأماني ونَبْضُ القلْبِ والرَّحِمُ ... وأطْرَبُ اللَّحْنِ والأوتارُ والنَّغَمُ
جُذورُهُنَّ هنا في الأرضِ راسخةٌ ... وجَنْبَ نجمِ السَّما الأفنانُ تَنْتَظِمُ [6]
النَّاسُ في ظِلِّها شَيْخٌ ومُستمعٌ ... وفي سواها هُمُو قاضٍ وَمُتَّهَمُ
(1) الخلق (بتسكين اللام) :الأوصاف الجسمية، والشيم: الأخلاق السامية.
(2) تكدو: تعجز، لتنعته: لتذكر أوصافه الجسمية وصفاته المعنوية. القوافي: الأشعار، ويبكم: يخرس.
(3) الصحاب: صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .
(4) العرم: السيل الذي لا يطاق 0
(5) الذمم: الشعوب التي صارت في ذمتهم من غير المسلمين
(6) تنتظم: تتسقُ، الأفنان: الأغصان.