الصفحة 12 من 25

وعليه، يعد ماكس فيبر رائد الأسلوب البيروقراطي الحديث، حيث ربطه بالسلطة العقلانية الشرعية المنظمة من جهة، و الهيرارشية الهرمية من القمة إلى القاعدة من جهة أخرى؛ لما لها من فوائد عملية في رفع الإنتاج والمردودية الكمية والكيفية، وتحقيق الفاعلية، واحترام اللوائح القانونية والتنظيمية غير الخاضعة لمزاج الرئيس أو المدبر الإداري، علاوة على وحدة الأمر، ونطاق الإشراف، ومبدأ التدرج الهرمي ...

ولايعني هذا أن البيروقراطية مفهوم حديث العهد، بل عرفته الشعوب القديمة كذلك. وفي هذا الصدد، يقول أنتوني جيدنز (A.Giddens) :"يعتقد فيبر أن بعض أنواع التنظيم البيروقراطي قد نشأت وتطورت في الحضارات التقليدية القديمة. فالمسؤول البيروقراطي في الصين القديمة هو الذي كان يتولى مسؤولية إدارة شؤون الحكومة، غير أن البيروقراطية لم تتطور وتكتمل إلا في العصور الحديثة باعتبارها تشكل المحور الرئيسي لترشيد وعقلنة المجتمع. وقد ترك هذا الترشيد وتلك العقلنة آثارهما في جميع جوانب الحياة بما فيها العلوم والتربية والحكم. وبدلا من أن يعتمد الناس على المعتقدات والعادات التقليدية التي درجوا عليها، فقد بدأ الناس في العصور الحديثة يتخذون قرارات عقلانية تستهدف تحقيق أهداف وأغراض واضحة، وراحوا يختارون السبل الأكثر كفاءة للوصول إلى نتائج محددة لأنشطتهم."

لم يكن ثمة مناص، في نظر فيبر، من انتشار البيروقراطية في المجتمعات الحديثة، فالسلطة البيروقراطية هي الأسلوب الوحيد للتعامل مع المتطلبات الإدارية والأنساق الاجتماعية. ومع تزايد التعقد في المهمات والواجبات غدا من الضروري تطوير أنظمة الضبط والسيطرة والإدارة لمعالجتها. من هنا، فقد نشأت البيروقراطية باعتبارها الاستجابة الأرشد والأكفأ لتلبية هذه الاحتياجات. غير أن فيبر نبه إلى كثير من جوانب القصور والإعاقة التي يحملها التنظيم البيروقراطي [1] .""

(1) - أنطوني غيدنز: نفسه، ص:409 - 410.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت