القيم عندنا، وتخلف الأجهزة الإدارية لدينا، نلمس تقدم الغرب بخطوات جسام، فالحكومات الغربية أصبحت تعلن صراحة خوفها من الإسلام، وبالتالي عداءها له، وتشجع علينا كل متربص به، أو كاتب حقود على شريعته، مشوه لأفكاره. والمسيحية تنادي جهارًا بتوفير أماكن العبادة للمقيمين من المسيحيين بالخليج، وهي قد حققت جزءً من ذلك حديثًا في معظم دول الخليج، ولكنها تقصد مكة والمدينة وجوارهما، ولا تقصد تمكين أفرادها من العبادة على طقوسها، ولكن تمكين رجالها من نشر أفكارها وتوجهاتها في أرض ترى أنها سلبت منها.
وإني لا أرى أن الله مكتف سبحانه بسؤالنا عن ضياع الأندلس وفلسطين وعديد من دول آسيا وإفريقيا، وانهيار دولة الإسلام بالتحامل على العثمانيين، ولكني أراه جلت قدرته يسائلنا عن أكثر من ذلك: أين كنتم يوم هب ومن هب على الأمريكتين؟ أين كنتم حين قتلت شعوب بأطفالها ونسائها وشيوخها وشبابها، وأبيدت حضارات بكاملها، ومسخت حضارات أقوام تركوا للجوع والعطش، محرومين من أبسط الحقوق، مسلوبين من التمتع بأراضيهم، مبعدين حتى عن التقاط فتات خيراتها؟ كيف تركتم هذه البلاد لغيركم كي يهلكوا الحرث والنسل؟ وكيف غفلتم عن مهمتكم في نشر الدعوة وإحقاق الحق ونصرة المظلوم؟
أقول هذا وقد احتفل العالم بذكرى اكتشاف الأمريكتين، فقد مضت إلى اليوم خمسة قرون على تاريخ ابتداء هذه الإبادة الجماعية لأجناس وشعوب كان محتملًا أن تكون ناعمة في ظلال الإسلام، لو تحركت همم قوم نائمين، وهم عن الإعداد الاستراتيجي غافلون، وعن لوازم الدعوة ساهون.
وكلي أمل أن نستيقظ لنصوغ استراتيجية محكمة البنود، مدققة العناصر. فقد نفوق غيرنا لو كنا جادين في الإعداد الاستراتيجي بأمرين:
-أننا نرجو من الله ما لا يرجوه غيرنا، وأساس الرجاء الدعاء. وكم يبخل المسلمون بالدعاء لأنفسهم ولصالح أمتهم. فقول ربنا جل علاه {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} (الفرقان:77) ، دال على أننا مهما أبدعنا في المجال الاستراتيجي، فحظنا هزيل بدون دعاء، ولن يحالفنا النصر بغيابه بنص القرآن.
-أننا نعتقد في الله ما لا يعتقده غيرنا، ونرى أن العدد والعدة أسباب، إذا لم يكن وراءها جنود الخفاء من الرحمن لا حظ لها من النصر، ولا نسبة لها في الفوز.
وسنظل نكرر ما قلناه حول الثقافة ما دام جزء كبير من الأمة لا يعي أن العلم جزء منها، ولا يستسيغ أن السياسة لون من أوانها، ولا يقبل أن الحرب هجوم ثقافة غالبة على ثقافة مندحرة،