الصفحة 17 من 31

وهذا كله يساعد الاستراتيجي في مجال المنازلة أيًا كانت ساحة استراتيجيته، سواء العسكرية أو السياسية والدبلوماسية أو الاقتصادية أو الثقافية والفكرية على أن ينازل وهو متحقق من دقة القرار وسرعته، وفي ظروف غالبًا ما يتحقق له فيه النصر، ويتم لصاحبه فيها الحسم.

أ توافر ثروة كافية من المعلومات: ووجود الإعلام بأشكاله المتعددة، والأطالس بطبعاتها المتنوعة، وتوافر المعلومات بقراءات مختلفة موجّهة ومطعّمة، جعل الكفة في جميع الميادين لصالح الغرب ومؤسساته. ويكفي للدلالة على ذلك كون الباحث في عالمنا التعيس حول وضع من أوضاع وطنه، لا بد وأن يعمد للإحاطة بالمعلومات التي يرجوها وينوي اعتمادها، بعد جهد التقصي وضنك المتابعة، إلى اقتباسها ونقلها من المراجع والحوليات والدوريات والدراسات ومراكز المعلومات الغربية.

فالمعلومات عن الشعوب والحضارات وعاداتها وتقاليدها، وتاريخها وتراثها، أصبحت كلها في متناول الرجل الغربي، وكذا المتمكن من لغته، بتكلفة أقل بكثير مما كانت تكلف سابقا، طبعًا بقراءاتها وتحليلاتها الخاصة، لكن بزادها الضخم بالمعلومات والمعطيات التي تعجز عن توفيرها الحضارات والشعوب موضوع التحليل والدرس. ولقد أضحى اليوم اقتناء مكتبة كاملة حول تاريخ الشعوب والأمم والحضارات، وما ابتكرته من تقنيات، وما صاغته من أفكار، وما أبدعته من معارف، هو من حيث التكلفة دون اقتناء سيارة من النوع العادي. والغاية القصوى من توفير ذلك بديار الغرب تمكين المواطن الغربي خاصة من معلومات ومعارف حول كيفية تفكير الآخر وتنظيمه وإقدامه، وقيمه وأحلامه وآماله.18

فتلك المعلومات على الرغم من دقتها وتنوعها وتفاصيلها لم تُصَغْ ليستفيد منها الاستراتيجي وحده، وإنما صيغت ليحدث لدى الأمة ذلك الوعي الجماعي المولّد لنسيج الحماس والإقدام عند كل فرد من أفراد مجتمعاتها. ولطالما اعتبرنا في بلداتنا العربية المعلومة موقوفة على الخبير وصاحب القرار، وضيقنا واسعًا بعدم السماح بتداولها حتى في أوساط النخب المثقفة. بيد أننا نجد التقارير التي تنجزها المؤسسات في مجال الدراسات الميدانية، أو خبراء كل فن من الفنون الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية بالغرب، سواء لصالح وزارة أو هيئة رسمية أو غير رسمية، تنشر في معظمها ليستفيد منها جمهور واسع من المهتمين والمتتبعين. فنادرًا ما تجد عندنا ذلك الحس في توسع دائرة المعرفة، لا خشية أن يطلع عليها الآخر، وإن فسّر الأمر بذلك ذريعة، ولكن لأن أصحاب القرار ألفوا الأحادية في اتخاذه، فاستغربوا المشورة وضرورة اطلاع أفراد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت