الصفحة 16 من 27

وإن غلب باعث طبعه- من الأكل والشرب والجماع - صبره، التحق بالبهائم. قال قتادة: خلق الله سبحانه الملائكة عقولًا بل شهوات، وخلق البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الإنسان وجعل له عقلًا وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم"."

ومن علامات الصبر: عدم الشكوى إلى الخلق:

فالأنين والشكوى إلى الخلق وإن كان فيها راحة للمصاب إلا أنها تدل على ضعف وخور، والصبر عليها دليل قوة وعزة وهي إشاعة سر الله تعالى عند العبد، وهي تؤثر شماتة الأعداء، ورحمة الأصدقاء

قال بعضهم:

لا تشكون إلى صديق حالة ... تأتيك في السراء والضراء

فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء

قال أحد الصالحين وقد رأى أخاه يشكو إلى الخلق:

يا هذا ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.

وفي ذلك قيل:

إذا شكوت إلي ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلي الذي لا يرحم

وقال علي رضي الله عنه:

من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك.

وقال شقيق البلخي: من شكا مصيبة به إلي غير الله، لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبدًا.

وقال بعض الحكماء: كنوز البر كتمان المصائب.

قال عبدالعزيز بن أبي روّاد: ثلاثة من كنوز الجنة:

كتمان المصيبة، وكتمان المرض، وكتمان الصدقة.

ـ رُوي أنه كان في زمن حاتم الأصم رجل يُقال له مُعاذٌ الكبير، أصابته مصيبة فجزع منها وأمر بإحضار النائحات، وكسر الأواني فسمعه حاتم، فذهب إلى تعزيته مع تلامذته، وأمر تلميذًا له فقال:

إذا جلست فاسألني عن قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} (العاديات: 6)

فسأله فقال حاتم: ليس هذا موضع السؤال، فسأله ثانيا وثالثًا.

فقال: معناه أن الإنسان لكفور، عدَّادٌ للمصائب، نسَّاءٌ للنعم. مثل معاذٍ هذا، إن الله ـ تبارك وتعالي ـ متعه بالنعم خمسين سنة، فلم يجمع الناس عليها شاكرًا لله عز وجل، فلما أصابته مصيبة جمع الناس يشكو من الله تعالي. فقال معاذ: بلى. إن معاذ لكنود عدَّاد للمصائب، نسَّاء للنعم.

فأمر بإخراج النائحات وتاب عن ذلك

أما الشكوى إلي الله فلا تنافي الصبر

أما الشكوى إلى الله عز وجل فلا تنافي الصبر، قال الله تعالى مخبرًا عن يعقوب عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت