الصفحة 5 من 17

فروع الدراسات الإنسانية والاجتماعية الأخرى.

وباختصار كانت الرحلة هي العمل الرائد لحركة البشر والأفكار والبضائع من ناحية، كما أنها كانت مفيدة للإنسان على المستوى الفردي من ناحية أخرى.

وكانت أيضًا وسيلة لأداء الشعائر الدينية عند شعوب الأرض. فالحج إلى الأماكن المقدسة والمزارات المبجلة، وقبور الصالحين والأولياء والقدّيسين، كان - وما يزال - من أهم دوافع الرحلة الفردية وحتى الجماعية مع التنبيه على ما في ذلك من شركيات.

تشهد على ذلك رحلة الحج إلى الكعبة قبل الإسلام وبعده، كما تشهد عليه تلك الرحلات العديدة التي قام بها الأوربيون إلى الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين.

ولعل من أهم الأماكن المقدسة التي حظيت باهتمام الرحالة المسلمين، بلاد الحرمين الشريفين، مهبط الوحي ومنشأ الرسالة، لأداء فريضة الحج، وزيارة الأماكن المقدسة هناك، ولقد لقوا في سبيل ذلك الكثير من مشاق السفر وصعوباته التي تحملوها راضين محتسبين.

ومن الثابت أن كثيرًا من هؤلاء الرحالة دونوا أخبار أسفارهم وتنقلاتهم؛ فذكروا المناطق والبلدان والمدن التي زاروها، أو مروا بها، والمسافات والمراحل التي اجتازوها، والصعوبات التي واجهوها، ووصفوا البلاد وزرعها والبهائم وضرعها، وجمال الطبيعة أو قساوتها، وقيدوا مشاهداتهم عن صناعتها وتجارتها، ووصفوا حياة السكان؛ فذكروا الطيب من عاداتهم وتقاليدهم بالمديح والثناء، وعابوا ما هم عليهم من العادات السيئة والجفاء.

وإن للمغاربة (أهل المغرب والأندلس) ميلًا إلى الرحلة أكثر من المشارقة؛ لما عرف عنهم من رغبة شديدة في الأخذ عن شيوخ المشرق، وزيارة الأماكن المقدسة، والتَّرْحال لغاية الاستطلاع. فهم من أوائل الرحالة المسلمين الذي دأبوا على تدوين رحلاتهم ومشاهداتهم، فصارت رحلاتهم بحق سجلا تاريخيا حافلا بالمعطيات والإشارات المتنوعة، التي تعطينا صورة دقيقة عن المجتمع الإسلامي عبر التاريخ.

وتتبع جميع ما دونه الرحالة المغاربة عبر التاريخ أمر ينوء بالعصبة أولي القوة، لذلك ارتأيت -بتشاور مع أستاذي المشرف حفظه الله - أن أقتصر- في هذا البحث المتواضع- على مرحلة زمنية محددة، وهي العصر المريني؛ بحيث اعتمدته وعاء زمنيا أكثر منه جغرافيا لرحلات حجية مغربية، تناولت بعضها بالدراسة والتحليل، بغية كشف أوجه التواصل الحضاري الداخلي واكتشاف الذات، وأهم الصور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية والتربوية والثقافية التي حوتها كتب الرحلات ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت