الصفحة 36 من 49

وهو خائف من عدم وجود مثل ابن تيمية؛ مصباح من مصابيح العلم والهدى، وواحد من أعظم أهل التقوى، وكنز من كنوز الخيرات.

وأما قوله: (آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس) ؛ هذه كلمة توحي بانتشار الكسب الحرام، وهذا حاصل في كثير من الأزمنة والأمكنة، ولا دخل لشيخ الإسلام به، وأما فقدان الأخ المؤنس فهو غير مسلم، فأمة الإسلام لم تكن يوما عقيما، بل كان من أصحاب ابن تيمية وتلاميذه خير مؤنس بعده، اللهم إلا أن يقول القائل مثل ما قال كثير ممن ترجموا لشيخ الإسلام: لم يرى مثله، ولا بلغ درجته أحد من الناس؛ لا في العلم ولا في الزهد ولا في التقوى، ولا برع أحد مثل براعته في شتى العلوم، إذ كانت كأنها مبسوطة بين عينيه، ينتقي منها ما يشاء، وهذا مما قاله الذهبي عنه في ترجمته، فيكون من الطبيعي أن يشعر مثل الذهبي بالوحدة والوحشة عند فقدان مثل ابن تيمية.

وأما قوله: (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتبا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك .. ) ؛ وهذا يجاب عنه بأن نقول:

إن شيخ الإسلام من أعظم من دعا إلى كف الأذى عن الناس، وله الكلمات الطوال في تزكية النفوس ومحاسبتها، وفي تقويم اللسان والنهي عن تتبع العثرات، ولكن الكلام في الناس له أصول وضوابط، فأصله محرم، ولكن يباح في مواضع، قد علمها وضبطها ابن تيمية وكثير من علماء الأمة، خصوصا أئمة الجرح والتعديل، فدين الله لا تبقى معه حرمة لمبتدع يدعو إلى بدعته، ولا لكذاب يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويضع عليه الحديث، ولا لمن قل ضبطه أو حفظه، مع الالتزام بما يفي بالمقصود، ونحو هذه الضوابط المعروفة عند أهل العلم، والمدونة في كتب الحديث والجرح والتعديل، ومثل هذا لا يخفى على مثل الإمام الذهبي، اللهم إلا أن نقول إن هذا الكلام إن ثبت عن الذهبي فهو موجه لمن انتقص شيخ الإسلام ونال منه لا لشيخ الإسلام، فيكون حاصله الدفاع عن ابن تيمية رحمه الله تعالى وكف الأذى عنه، والدعوة إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت