خامسا: أصل النصيحة الذهبية إن كان قد كتبها الإمام الذهبي؛ غير موجود، حتى يتسنى لنا مطابقتها مع الرسالة المكتوبة بخط الكوثري، فلا قيمة لنسخة هذا الأخير، ولا حجية فيها، والأولى أن تلحق بالوثائق المزورة والملفقة التي يستحق صاحبها العقاب.
سادسا: هناك تخبط واضح في تاريخ كتابة الرسالة، فمنهم من زعم أنها كتبت في أواخر عمر ابن تيمية (728 هجري) ، وهذا ينقضه تراجم الذهبي المليحة لشيخ الإسلام بعد وفاته رحمه الله تعالى؛ مثل ترجمته له في المعجم المختص بالمحدثين الذي ألفه سنة 731 هجري؛ حيث روى عنه حديثا قال إنه سمعه منه سنة 695 هجري، ومنهم من قال إنها كتبت في أواخر عمر الذهبي (748 هجري) ، ويجعلونها آخر ما استقر عليه الذهبي تجاه ابن تيمية، والحاصل عند أعداء شيخ الإسلام أن الذهبي امتدح ابن تيمية في بادئ الأمر، ثم عدل عن رأيه وابتعد عنه ووجه له النصيحة الذهبية، وهذا أمر في غاية الغرابة، وهو أشبه بصنيع المجانين، إذ كيف يوجه الذهبي رسالة لرجل مات قبل عشرين سنة؟ مما يجعلها لا فائدة فيها ولا طائل من ورائها، ثم إن النصيحة الذهبية غير مؤرخة؛ والكلام في"قبل وبعد"من الخرص والظن الذي لا يغني من الحق شيئا.
سابعا: لم تثبت الرسالة الذهبية بخط الذهبي، ولا ثبت طلبه نسخها من ابن قاضي شهبة، والنسخة التي يفترض أن تكون بخط ابن قاضي شهبة نقلها من خط البرهان بن جماعة، وأن هذا نقلها من خط العلائي، الذي يفترض أنه نقلها من خط الذهبي، والنسخة التي يتداولها الناس هي بخط الكوثري، وسواء كانت بخط ابن قاضي شهبة أو الكوثري؛ فكلاهما خصم لشيخ الإسلام، قد سلط لسانه وقلمه عليه، ومعلوم أن شهادة الخصم على خصمه لا تقبل شرعا، وغرضه منها ضرب ابن تيمية وكسب الذهبي في صفه، إلى جانب السخاوي الذي نال هو أيضا من شيخ الإسلام؛ من غير وجه حق.
ثامنا: ثم كيف توجد هذه النصيحة الذهبية ولم يستغلها في ذلك الوقت أعداء شيخ الإسلام ضده، ولا وجود للرد عليها عند أصحاب شيخ الإسلام الذين دافعوا وردوا عليه كل فرية رماه بها أعداؤه، فلا يوجد لها ذكر عند السبكي مثلا، والذي لو ظفر بها لكانت قرة عينه، ولا عند العلائي رحمه الله تعالى، هذا الأخير الذي تعقب الذهبي في ترجمته لتنكز حيث قال ابن حجر في