الصفحة 12 من 34

فان قيل: كيف يأمره بالإجابة وقد نهاه عن الكلام في الصلاة؟

قلنا: هَذَا عَلَيْهِ دَلَالَةٌ؛ لِأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَهُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] قَاضٍ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَالْآيَةُ عَامَّةٌ وَالنَّهْيُ عَنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ خَاصٌّ، فَأعلمهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الْعَامَّ قَاضٍ عَلَى الْخَاصِّ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ بُنِيَ فِيهِ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ فَلَمْ يَخْلُ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْجَبَتْهُ [1] .

قلت: ويمكن أن يستفاد من الآية والحديث أن تزاحم المصالح يُرعى فيه الأكبر، ومن ضوابط التفريق بين الصغرى والكبرى هو: أن الصغرى تفوت إلى خلف والكبرى لا إلى خلف، وكذلك المؤقتة اكبر من ذات الطلب المؤقت بوقت واسع، وكذلك أن الصلاة جزء من دعاء النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لامته والاستجابة لدعائه أعم وأعظم؛ ولهذا جاز قطع الصلاة به، والله أعلم بالصواب.

وإذا تقرر ذلك قال العلماء: منْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ إِذَا دَعَا أَحَدًا .. فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنْ أَجَابَهُ فِي الصَّلاَةِ .. فَإِنَّهُ لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ [2] .

وصرحوا بذلك فقالوا: فإن كلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجابه .. لم تبطل؛ صلاته لحَدِيثِ أبي هريرة، وأنه حكم يختصّ بالنبيَّ - صلى الله عليه وسلم - [3] .

فان قيل إنّ الصلاة جاز أن تقطع لنداء الوالدينِ أو لإنقاذ نفس معصومة وغيرها، فما الفرق بينهما؟

قلنا: إِجَابَةُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّنْ دَعَاهُ في عَصْرِهِ في الصَّلَاةِ وَإِنْذَارُ الْهَالِكِ؛ أَيْ: الْمُشْرِفِ على الْهَلَاكِ كَأَعْمَى أَشْرَفَ على وُقُوعِهِ في بِئْرٍ في الصَّلَاةِ وَاجِبَانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] وَلِإِنْقَاذِ الرُّوحِ،

(1) يُنْظَر: الفصول في الأصول: (1/ 395) ، والأحكام لابن حزم: (3/ 367) .

(2) يُنْظَر: الموسوعة الفقهية الكويتية: (2/ 268) .

(3) يُنْظَر: أحكام القرآن لابن العربي: (4/ 75) ، وتفسير القرطبي: (7/ 390) ، والمهذب: (1/ 87) ، والمجموع: (4/ 81) ، ومواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل: (10/ 37) ، وفتح الباري: (12/ 285) ، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب: (1/ 180) ، ومشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح: (7/ 374 - 378) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت