وهذا الذي نقله ابن حجر عن الحليمي يوافق النصوص والقواعد والأصول؛ وذلك أن الذنوب الكبيرة تتفاوت في كبرها، كما أن الصغيرة تتفاوت فيما بينها، وقد ذكرنا النصوص التي تدل على وجود كبائر وأكبر الكبائر، وغير ذلك.
ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الإصرار على الصغيرة كبيرة، واشتهر هذا عن السلف، والمقصود بذلك عند من قال به ليس هو تحول الصغيرة في ذاتها إلى كبيرة، ولكن المقصود أن الإصرار نفسه كبيرة؛ لأنه يدل على استخفاف صاحبها بها، والاستخفاف بالمعاصي كبيرة وإن كان في الصغائر، أو بمعنى آخر نقول: اعتبار الإصرار على الصغيرة كبيرة هو من باب الإلحاق كما قال الرملي، فهو لا يصير الصغيرة كبيرة حقيقة، وإنما يلحقها بها في الحكم، وبعبارة بعض الحنفية من شراح المنار:"الإصرار على الصغيرة هو كبيرة لغيرها، أما الكبيرة بالضابط الأصلي فهي كبيرة بنفسها" [1] .
قال القرافي:"الصغيرة لا تقدح في العدالة ولا توجب فسوقا، إلا أن يصر عليها فتكون كبيرة ... فإنه لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار كما قال السلف ... ويعنون بالاستغفار التوبة بشروطها، لا طلب المغفرة مع بقاء العزم، فإن ذلك لا يزيل كبر الكبيرة ألبتة" [2] .
وأورد الزركشي وهو يعد الكبائر:".... إدمان الصغيرة" [3] .
وخالف في هذا بعض الفقهاء، كأبي طالب القضاعي فِي كِتَابِ"تَحْرِيرِ الْمَقَالِ فِي مُوَازَنَةِ الْأَعْمَالِ"، حيث نقل عنه الزركشي أن الإصرار له حكم ما أصر به عليه فالإصرار على الصغيرة صغيرة [4] .
(1) ـ نهاية المحتاج 8/ 279، وشرح المنار وحواشيه 2/ 636.
(2) ـ الفروق للقرافي وحاشية ابن الشاط 4/ 67.
(3) ـ"البحر المحيط" (6/ 155) .
(4) ـ"البحر المحيط" (6/ 155) .