مهما بلغ المرء منا من التقى والذل لله تعالى والخشوع له والانقطاع لعبادته تعالى، فلن يستطع التنزه من لمم الذنوب، وهناتها فلو أجزنا القول بأن جميع معاصي الله تعالى كبائر لحكمنا على جميع المؤمنين باقتراف الكبائر، واستباحة حمى الله تعالى، وانتهاك محارمه فضلًا عن تركنا صريح النصوص سيرًا مع تأويلات لا يعضدها دليل [1] .
القول الثالث: أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر وفواحش.
ذَهَبَ الْحليمي من الشافعية إلى أنَّ الْمَعَاصِي تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
صَغِيرَةٌ، وَكَبِيرَةٌ، وَفَاحِشَةٌ؛ فَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَبِيرَةٌ، فَإِنْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ لَهُ فَفَاحِشَةٌ، فَأَمَّا الْخَدْشَةُ وَالضَّرْبَةُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَصَغِيرَةٌ وَجَعَلَ سَائِرَ الذُّنُوبِ هَكَذَا [2] .
ويرى الحليمي أيضا أن الصغيرة قد تنقلب كبيرة أو فاحشة بحسب ما يقترن بها من حال، قال ابن حجر [3] :"وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: مَا مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا وَفِيهِ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ وَقَدْ تَنْقَلِبُ الصَّغِيرَةُ كَبِيرَةً بِقَرِينَةٍ تُضَمُّ إِلَيْهَا وَتَنْقَلِبُ الْكَبِيرَةُ فَاحِشَةً كَذَلِكَ إِلَّا الْكُفْرَ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ أَفْحَشُ الْكَبَائِرِ، وَلَيْسَ مِنْ نَوْعِهِ صَغِيرَةٌ، قُلْتُ: وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى فَاحِشٍ وَأَفْحَشَ."
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ أَمْثِلَةً لِمَا قَالَ: فَالثَّانِي كَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ كَبِيرَةٌ فَإِنْ قَتَلَ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا أَوْ ذَا رَحِمٍ أَوْ بِالْحَرَمِ أَوْ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ فَهُوَ فَاحِشَةٌ، وَالزِّنَا كَبِيرَةٌ فَإِنْ كَانَ بِحَلِيلَةِ الْجَارِ أَوْ بِذَاتِ رَحِمٍ أَوْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ فَاحِشَةٌ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ كَبِيرَةٌ فَإِنْ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا أَوْ فِي الْحَرَمِ أَوْ جَاهَرَ بِهِ فَهُوَ فَاحِشَةٌ، وَالْأَوَّلُ كَالْمُفَاخَذَةِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ صَغِيرَةٌ فَإِنْ كَانَ مَعَ امْرَأَةِ الْأَبِ أَوْ حَلِيلَةِ الِابْنِ أَوْ ذَاتِ رَحِمٍ فَكَبِيرَةٌ، وَسَرِقَةُ مَا دُونَ النِّصَابِ صَغِيرَةٌ فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَفْضَى بِهِ عَدَمُهُ إِلَى الضَّعْفِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ.
وَأَطَالَ فِي أَمْثِلَةِ ذَلِكَ وَفِي الْكَثِيرِ مِنْهُ مَا يُتَعَقَّبُ لَكِنَّ هَذَا عُنْوَانُهُ وَهُوَ مَنْهَجٌ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِاعْتِبَارِهِ وَمَدَارُهُ عَلَى شِدَّةِ الْمَفْسَدَةِ وَخِفَّتِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ"."
(1) ـ"آيات عتاب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في ضوء العصمة والاجتهاد" (ص 63) تأليف: د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي ـ الناشر: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز - مكة المكرمة حرسها الله تعالى ـ الطبعة: الثالثة، 1426 هـ - 2005 م
(2) ـ"إرشاد الفحول" (1/ 145) ؛ للشوكاني.
(3) ـ"فتح الباري" (2/ 184) ؛ لابن حجر.