وبعد ذكر هذا الخلاف المشهور في تقسيم الذنوب والمعاصي، وذكر أدلة كل من الفريقين تبين لنا أن تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر هو الموافق لأدلة الكتاب والسنة، التي ذكرنا طرفا منها آنفا، كما أنه الأوفق لقواعد الشريعة وأصولها العقدية والفقهية العامة التي دلتنا على تفاوت أهل الجنة في الدرجات، وأهل النار في الدركات، كما أن المعاصي التي في حق الله وحق العباد عقوباتها الدنيوية متفاوته في شدتها وخفتها وانعدامها أحيانا، إذ ليس كل ذنب يترتب عليه حد أو تعزير، وليس كل ذنب يترتب عليه حد يساويه الذنب الآخر الذي يترتب عليه حد أيضا، فحد الزنى والسرقة وشرب الخمر والقذف وغيرها تختلف في قدرها ونوعها.
وهذا كله يدل على التفريق بين الذنوب من حيث كونها كبائر وصغائر، هذا فضلا عن النصوص المصرحة بسرد بعض الكبائر بأسمائها مما يدل على هذا التفريق، وقد مضى ذكر هذه النصوص.
فلا يمكننا العدول عن هذه النصوص الصريحة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأقوال السلف في التفرقة بين الذنوب بجعل بعضها صغائر وبعضها كبائر وتأويلها بالتعسف إلى ما يفيد أنه لا صغيرة من الذنوب؛ إذ الأخذ بصريح الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة وآثار جمهور الصحابة والتابعين الدالة على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر خير من تأويلها بما ينبو عنه ظاهرها وأسلم من ثنيها عن دلالتها [1] .
بل اعتبر الحافظ ابن حجر القول الذي لم يفرق بين الصغائر والكبائر شاذًا حيث قال:"وقد اختلف السلف، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر وصغائر، وشذت طائفة منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فقال: ليس في الذنوب صغيرة بل كل ما نهى الله عنه كبيرة" [2] .
وقال الإمام الغزالي:"إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه" [3] .
ـــــ خطر القول بأن جميع الذنوب كبائر:
(1) ـ"آيات عتاب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في ضوء العصمة والاجتهاد" (ص 62) ؛ تأليف: د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي ـ الناشر: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز - مكة المكرمة حرسها الله تعالى ـ الطبعة: الثالثة، 1426 هـ - 2005 م
(2) ـ (( فتح الباري ) ) (1/ 409) .
(3) ـ شرح مسلم للنووي 2/ 85؛ وفتح الباري 10/ 409؛ عن كتاب البسيط للغزالي.