وبموت عمه أبي طالب، وكان له عضدة وجززة ومنع وناصرة على قومه؛ وكان موتهما قبل مهاجره إلى المدينة المنورة بثلاث سنين. فلا هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلمبه من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي
طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنشر على رأسه ترابا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلمبيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلمو يقول لها: «لا تبكي يا بنية! فإن الله مان أباك (1) .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلموحده إلى (الطائف) يلتمس النصرة من (ثقيف) والمنعة بهم من قومه، و رجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل.
وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى (الطائف) ، فعمد إلى نفر من (ثقيف) وأشرافهم، وجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وكلمهم ما جاء له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه و يصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط العتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهيا فيه، فعمد إلى ظل شجرة العنب، فجلس فيه يقول: «اللهم أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تبيني؟ إلى بعيد تجهمني! أم إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل على سخطك، لك العتبى (2) حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك .. ثم انصرف من مدينة (الطائف) عائدا إلى مكة المكرمة حين يئس من قبيلة (ثقيف) (3)
(1) سيرة ابن هشام (2) 20 - 29).
(2) العتبي: الرضي
(3) سيرة ابن هشام (2/ 28 - 31) و عيون الأثر (1/ 134) و جوامع السيرة (67) وطبقات ابن سعد (1/ 210 - 212)