ولم يكن مكيافيللي غافلا عن الصلة أو الارتباط بين نظام إيطاليا السياسي وبين التها الحربية غير الصالحة للتمشي مع الزمن، وقد أدرك مكيافيللي أن إيطاليا كانت تحتاج ما هو أكثر من التدابير ذات الطابع الفني، وما هو أكثر من إلغاء استخدام الجنود المأجورين، وما هو أكبر من استخدام المشاة؛ وذلك حتى تستطيع مقاومة اعتداء باقي الدول الأوربية بنجاح، لقد كان في الروح التي أدار بها الإيطاليون حروبهم شيء أساسي خاطي، فيقول: «ولا يمكن أن تسمى حربا عندما لا يقتل الناس بعضهم بعضا، وعندما لا تدمر المدن وتنهب الأرض» (1) . فإن التدمير الكامل الأرض العدو يجب أن يكون هو الهدف الأساسي للحرب، والحرب الحقيقية قتال للبقاء، وفي مثل هذا القتال فإن كل شيء يسمح به، وعندما يكون أمن الدولة وسلامتها يتوقفان على القرار الذي يتخذ فلا يجب البتة تقدير العدالة أو نقيضها، ولا يجب التفكير في القسوة أو الإنسانية ولا في الشرف أو العار (2) ، إن أساليب الحرب يجب أن تقدر فقط تبعا لتأثيرها ونتائجها ..
ويقول مكيافيللي باعجاب عن كاستروتشيو کاستراکاني: «ولو استطاع الكسب بالخداع والتضليل فإنه لا يحاول إطلاقا استخدام القوة؟ وذلك لأنه قال بأن النصر - لا وسيلة الحصول عليه - هو الذي يجيء بالفخار للمنتصر (3) ، وبذلك فقد ظن مكيافيللي بأن عناية القائد لا يجب أن تحدد بالأعمال العسكرية فقط، بل إنه يجب أن يعني باستخدام وسائل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ فلورنسا الكتاب الخامس فصل 1 ص 499.
(2) «المقولات الكتاب الثلاث فصل 1 ص 259.