النقدية مرة أخرى، ولا يتم ذلك بفضل من أحد بل بفضل ممارسة عملية النضال من أجل الحرية، فيغير الثقة في الرجال يتحول الحوار الى كوميديا لا تخلو من
الاستغلال الابوي.
وهكذا فان الحوار الذي يقوم على التواضع والثقة يكرس العلاقة الأفقية بين المتحاورين، ولعله من غير المعقول الا تكرس مثل هذه العلاقة في مثل هذه الظروف، ذلك أن الذي ينشأ من مثل هذا الحوار هي علاقة تضامنية في معرفة العالم وادراکه، وذلك ما يفتقر اليه المنهج البنكي الذي يقوم في الأساس على غير الثقة. ومن واجبنا أن نعرف أن الحب الزائف والتواضع المصطنع والايمان الضعيف لا يمكن لها أن تولد مثل هذا النوع من الثقة، ذلك أن الثقة في كل الظروف هي وليدة الصدق الذي يبديه المتحاورون والتي بدونها لا تكون الأقوال مطابقة للافعال، ولعله من الطبيعي أن نقول أن الحوار لا يمكن له أن يوجد بدون أمل، ذلك أن الأمل مزروع في نقص الانسان وهذا ما يدفعه إلى البحث مع بقية الرجال عن الأفضل، فاليأس هو نوع من الصمت وانکار للعالم بل هروب من مواجهته. ومن هنا نعلم أن مواضع القهر التي تمتهن فيها كرامة الانسان يجب الا تكون مواضع بأس بل يجب أن تكون منطلقات أمل لأجل تحقيق انسانية الانسان التي أهدرت بسبب عدم العدالة، أما الآمال فانها لا تتحقق حين يعقد الانسان يديه ويجلس منتظراءيل تتحقق حين يناضل مؤملا في نتيجة نضاله ز في دمت أناضل فيحق لي الانتظار.
وكذلك فان الحوار لا يمكن له أن يتخذ من اليأس بيئة له، فاذا لم يؤمل المتحاورون في نتيجة حوارهم فستصاب مجهوداتهم بالخواء والعقم والبيروقراطية والملل. وخلاصة الأمر، فان الحوار الصادق لا يمكن له أن يوجد دون تفكير نقدي بشخص العلاقة القائمة بين الرجال والعالم، ذلك أن التفكير الذي يرى الحقائق كحركة تطورية غير منفصلة عن العمل هو التفكير الذي يستشيره الحوار المجدي. فالتفكير المجدي يختلف عن التفكير السطحي الذي يرى في العمل التاريخي مجرد استعادة للماضي، ذلك أن المفكر السطحي يولى اهنامه الأكبر للتأقلم مع الحاضر