ويؤكد هذا أن الغاء القهر هو وحده الذي يحقق الحب لان القهر يعارض الحب بالضرورة، فاذا لم استطع أن أحب العالم والحياة والرجال فلن يكون في مقدوري أن أقيم معهم أي نوع من الحوار.
واذا كان الحب ضروريا لبدء الحوار، فان الحوار لا يمكن له أن يتحقق بدون شيء من التواضع، ذلك أن تسمية العالم التي هي في الحقيقة عملية متصلة في ابداعه لا يمكن أن تتم في جو من الغرور کا لا يمكن للحوار نفسه كعمل يواجه به الرجال مشكلة العلم والعمل أن يتحقق ان لم ينسم الرجال بشيء من التواضع. اذ كيف يمكن في أن أدخل في حوار مع الاخرين اذا كنت أعتبر نفسي شيئا مختلفا عنهم وكيف أدخل في حوار مع الآخرين اذا كنت اعتبر نفسي من أصحاب الدم الأزرق الذين يملكون ناصية الحقيقة والمعرفة و ينكرون على ما سواهم أي نوع من الفهم. بل وكيف أحاور الناس اذا كنت أعتقد أن معرفة العالم هي من حق الصفوة وأن دخول السواد في التاريخ يعني بداية الانهيار. كذلك كيف أحاورهم اذا كنت أشعر أن وجودي سيتعرض إلى التهديد حين أبدأ عملية الحوار؟ وهكذا فان القناعة بما تراه الذات وحدها نقيض لمنهج الحوار فالحوار انما يقوم بمسئولية الذين يتصفون بالتواضع و يمكنهم أن يدخلوا في علاقة حوارية مع الآخرين من أجل مشاركتهم في معرفة العالم.
ومن ذلك يتبين لنا أن الحوار يتطلب ثقة بالرجال وملكاتهم في الصنع واعادة الصنع ويتطلب ثقة في قدرتهم على الابداع واعادة الابداع ومثل هذه الثقة يجب أن تعم جميع الرجال ولا تقتصر على الصفوة وحدها، فالثقة بالانسان تمثل أهم المقدمات الضرورية للحوار الناجح، ذلك أن الرجل المحاور يؤمن بالضرورة بالرجال حتى قبل أن يلتقي بهم أو يستمع اليهم، ولا يعتبر هذا الايمان ضربا من السذاجة لأن مثل هذا الرجل الواعي بادراکه لقدرته النقدية بعلم أيضا أن غيره من الرجال ممن يضطلعون بعملية التغيير يمتلكون نفس القدرة وذلك ما يجعله يستجيب المحاورتهم، وحتى في تلك الظروف التي يفقد فيها بعض الرجال قدراتهم على النقد فان الرجل المحاور لا يفقد ثقته في أن يستعيد أمثال هؤلاء الرجال ملكاتهم