الصفحة 94 من 116

ويبدو من ذلك أن الحوار هو المواجهة الحقيقية بين الرجال من أجل تسمية العالم حولهم، وما دام أمره كذلك فانه لا يمكن أن يتم بين أولئك الذين يريدون تسمية العالم ومعرفته و بين اولئك الذين لا يريدون ذلك كي لا يمكن أن يتم بين الذين يحق لهم أن يقولوا كلمتهم والذين لا يريدون للاخرين قول كلمتهم في هذا العالم. وهذه الحقيقة في ذاتها هي التي تجعل أول عمل يقوم به المستلبون في تحقيق حريتهم هو أن يستعيدوا حقهم في قول كلمتهم ويوقفوا استمرارية الاستلاب اللاانساني الذي مورس ضدهم.

لقد أسلفنا القول ان الكلمة هي الوسيلة التي يغير بها الرجال العالم من حولهم وذلك لكونها تمكنهم من معرفة هذا العالم ونؤكد مرة أخرى أن الحوار أيضا هو وحده القادر على تمييز قيمة الرجال، وذلك ما يجعله ضرورة وجودية، فيما دام الحوار هو أسلوب المواجهة الذي يغير به الرجال عالمهم، فانه لا يمكن أن يجرد من خصائصه الرئيسية ليصبح تعبيرا عن أفكار رجل واحد أودعت في رؤوس الآخرين أو مجرد ثرثرة يتبادلها المتنافسون كما لا يمكن أن يكون مواجهة عنيفة بين رجال لم يلتزموا بتسمية العالم والبحث فيه عن الحقيقة، فأمثال هؤلاء الرجال لا يستهدفون سوى فرض الحقيقة التي يعرفونها على الآخرين، فما دام الحوار هو مواجهة بين رجال يستهدفون معرفة العالم فانه لا يمكن أن يكون فرض كفاية اذا قام به البعض سقط عن الباقين ذلك أن الحوار عمل ابداعي يتم الا يستخدمه الناس كوسيلة، يستغلون بها الآخرين، قالاستغلال المتضمن في مفهوم الديالوج هو ذلك الذي يمكن المشتركين في الحوار من غزو العالم من أجل تحرير الانسان، ذلك أن تسمية العالم التي هي في الحقيقة ابداع وأعادة ابداع لا يمكن لها أن تتم في غياب الحب الذي هو أساس الحوار بل لعله هو الحوار نفسه، وعلى عكس ذلك فان السيطرة هي بالضرورة آفة ضد الحب لانها تمثل في واقعها نزعة سادية يمارسها القاهرون وماسوشية يتمثلها المقهورون ولما كان الحب موقفما شجاعة لا يحفل بالخوف فانه يعترف بالآخرين وحقهم في الحياة وهو حق يتمثل في تحقيق الحرية لهم، وبما أن الحب موقف شجاع فانه لا يمكن أن يقوم على مبدأ الاستغلال بل يجب أن يولد في الآخرين الرغبة في تحقيق الحرية، وبدون هذا الهدف فلا يكون الحب حقيقة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت