بعد أن بيتنا قيمة الحوار في المفهوم الانساني تعود لتكشف عن طبيعة الحوار في ذاتها، فالحوار في نظري هو الكلمة، والكلمة في مدلولها الحقيقي تتجاوز قيمتها كوسيلة يتحقق بها الحوار وذلك لما تتميز به من بعدي الرؤية والفعل، فهذان البعدان متلازمان بحيث لا يغني أحدهم عن الآخر.
وعلى وجه العموم فليس هنالك كلمة حقيقية غير قابلة للتنفيذ في واقع الحياة، وذلك ما يميز الكلمة الصادقة بأنها هي القادرة على تغيير العالم، أما حين تجرد الكلمة من أحد البعدين السابقين فأنها تصبح عاجزة عن القيام بدورها وتتحول إلى مجرد ثرثرة فارغة المحتوى، وبنفس القدر فان قيمة الكلمة العملية تحتوي على ما في داخلها من رؤية فالعمل من غير رؤية يلغي حقيقة الحوار ولا يتحقق به شيء على الاطلاق، وهنا يمكننا أن نقول أن الوجود الإنساني لا يمكن له أن يظل صامتا كما لا يمكن له أن يحيا على الكليات الفارغة، فالكلمات التي تحييه وتعمل على تغيير العالم هي الكلمات المفعمة بالرؤية الصادقة، وينبني على ذلك أن العيش انسانية يعني معرفة العالم والعمل على تغييره، فبمجرد أن يعرف الانسان العالم تنجلي حقيقته، في نظره كمشكلة تتطلب حلا، ويتضح من ذلك عدم وجود الرجال في عالم الصمت، فالرجال لا بد لهم من الحوار والعمل المتبصر بالوعي والادراك، وعندما تميل الى الرأي القائل أن الكلمة وحدها هي التي تقود الى العمل الذي يغير العالم نؤكد في ذات الوقت أن هذه الكلمة ليست حكرا على طائفة معينة من الرجال وانما هي ملك للناس جميعا، وذلك يعني أن الكلمة الصادقة لا يمكن أن يقولها رجل واحد سواء كان ما يقوله لنفسه أو للآخرين، فاصرار مثل هذا الرجل على اسماع كلمته وحدها يعني تجريدا للآخرين من فرصتهم في أن يقولوا كلمتهم أيضا