بتغريبهم فالحرية ليست شيئا اضافيا يودع في عقول الرجال بل هي ممارسة أو استجابة واعية نحو العالم من أجل تغييره، لذلك فان أولئك الذين يستهدفون تحرير الانسان حقا لا يمكنهم أن يقبلوا المنهج الالي الذي يحول الانسان الى آناء يتوجب ملؤه، كما لا يمكنهم أن يقبلوا المفهوم البنكي باسم الحرية. وهكذا فان المؤمنين محقا بتحرير الانسان يرفضون دائما المفهوم البنكي ويستعيضون عنه بمفهوم آخر يعترف باحساس الإنسان تجاه العالم الذي يعيش فيه، وأمام هؤلاء أن يقلعوا عن جعل التعليم وسيلة للابداع وان يجعلوه بدلا من ذلك وسيلة لتسليط الأضواء على مشاكل الانسان مع هذا العالم الذي يعيشون فيه، ذلك أن التعليم الذي يتناول قضايا الانسان الفعلية يرفض أسلوب البيانات ويستعيض عنها بأسلوب الحوار.
ومن هنا تعلم أن التعليم الذي يستهدف الحرية يركز على الادراك اكثر مما يركز على نقل المعلومات مفيدة التعليم في هذه الحال تقف في وضع وسطي بين المعلم والتلميذ وبذلك تحل مشكلة التناقض بين التلميذ والمعلم، فالعلاقة الحوارية التي تنشأ بينها تساعدها على الوعي بمادة التعليم وبذلك يصبح التعليم ممكنة.
وفي ضوء ذلك يتضح لنا أن التعليم الذي يعالج المشكلات هو وحده القادر على حل التناقضات التي تحول دون تحقيق الحرية، ففي هذا النوع من التعليم ينتفي وجود مدرس الطالب وطالب المدرس ويحل مكان هذه العلاقة علاقة اخرى جديدة هي علاقة المدرس والطالب والطالب والمدرس معا في حل المشكلات. ففي هذه العلاقة لن يصبح المدرس هو وحده الذي يدرس لأن المدرس في العلاقة الجديدة يتعلم أيضا من خلال حواره مع الطلبة كما أن الطلبة لا يدرسون فقط بل المهم يعلمون أيضأو يبدو من ذلك أن كلا الطلبة والمدرسين يشتركون في عملية نامية واحدة، وفي ظل هذا الأسلوب فان السلطة تكون للحرية وليس لأية جهة أخرى. وفي ظله أيضا لا يوجد واحد يدرس وآخر يتعلم وانما الجميع يتبادلون المعرفة حيث يتوسطهم العالم في هذه الممارسة، وهكذا يختلف مفهوم هذا الأسلوب عن مفهوم التعليم البنكي الذي تظل المعرفة فيه وقفا على الأستاذ وحده.