وبناء على ذلك فليس من النادر أن تجد الفلاحين يناقشون أمرا ما مع معلمهم في منتهى الحيوية ثم نجدهم فجأة يقفون ليقولوا معذرة: يجب علينا أن تصمت التكلم أنت، فأنت الذي تعلم أما نحن فلا نعرف شيئا، فهؤلاء الفلاحون يصرون على ألا فرق بينهم وبين البهائم واذا اعترفوا بوجود فرق فانه لصالح البهائم لكونها تمتلك قدرا من الحرية، غير أن هذا النوع من تحقير الذات بأخذ في التلاشي عند أول مرحلة من مراحل ازالة القهر، فلقد سمعت فلاحا يقول في اجتماع الوحدة
الانتاجية.
ولقد تعودوا أن يقولوا اننا غير منتجين لأننا كسالى، وتلك أكاذيب، أما الآن وقد احترمنا كرجال فسيعلم الجميع بأننا لم نكن سكارى ولا کساني بل کتا مستغلين»
وهكذا فانه ما ظلت الازدواجية قائمة فان المقهورين لن يكونوا في موقف يمكنهم من المقاومة لأنهم في مثل هذا الموقف يفتقدون الثقة اللازمة في أنفسهم ويعوضون عنها بايمان جازم بقوة القاهرين
لقد حدثني واحد من أصدقائي ممن تخصصوا في علم الاجتماع أن جماعة من الفلاحين المسلحين في أحد أرياف أمريكا اللاتينية قد قرروا لأسباب تكتيكية أن يحتفظوا بصاحب الأرض رهينة عندهم، ولكن أحدا منهم لم تواته الشجاعة ليخفره، فقد كان مجرد وجوده بينهم مخيفا بالنسبة لهم جميعا، ولعل مجرد الاحساس مواجهة الرئيس قد أثار عندهم احساس بالذنب ولا تفسير لذلك سوى أنهم كانوا جميعا يستبطنون صورة الرئيس القاهر في دخيلات أنفسهم.
وهنا يبدو ضروريا أن يرى المقهورون صورة من تصدع شخصيات القاهرين حتى يقتنعوا بامکان ذلك في حالتهم، وما لم يتحقق ذلك فانهم سيظلون خائفين ومهزومين (انظر کتاب ديزلي ثورة في الثورة) . وما ظل المقهورون على غير وعي بأسباب نهرهم فسيظلون على قدر يتهم في قبول واقعهم، بل لعلهم قد يقفون موقفا سلبيا حين يواجهون بضرورة النضال من أجل تحقيق حريتهم أو تأکيد