يستبطنون في دخيلات أنفسهم شخصيات قاهرهم، فكأنهم بذلك يقومون بطريقة غير مباشرة بمهاجمة القاهرين، واذا نظرنا إلى الأمر من جانب آخر فسنجد أن المقهور في فترة ما خلال حياته يحس برغبة جارفة في تمثل حياة قاهره وبذلك يشعر برغبة في أن يعيش على طريقة القاهرين وتصبح أساليبهم مطمحة من المطامح التي يرنو اليها، وفي هذه المرحلة يبذل المقهور كل ما في وسعه من أجل أن يعيش بأسلوب قاهره فتجده يجنح الى تقليده والسير على نهجه، وتبدو هذه الظاهرة بصورة خاصة في الطبقة الوسطى من طبقات المقهورين حيث يكثر التطلع إلى المساواة مع أفراد الطبقة العالية.
بشير و البرت ميمي، في تحليله الرائع للعقلية المستعمرة في كتابه و المستعمرون والمستعمرون .. الى ملئ الامتعاض الممزوج بالانجذاب العاطفي نحو المستعمرين يقول:
ا كيف يمكن للمستعمر أن يعتني بعماله اذا كان من وقت لآخر يستخدم بندقيته ضد جمع من المستعمرين وكيف للمستعمر أن يتجاهل هذا الواقع ليبالغ في مطالبه. كيف يجمع المستعمر بين كراهيته للمستعير واعجابه العاطفي به - لقد شعرت نفسي بهذا النوع من الاعجاب -
كذلك فان من خصائص شخصية المقهور تحقير الشعور الذاتي، ولقد استمد المقهورون هذه الحقيقة من استيطانهم لاراء القاهرين المتأصلة في نفوسهم فكثيرا ما يسمعون عن أنفسهم أنهم لا يصلحون لشيء ولا يعلمون شيئا، وليس لديهم الاستعداد لتعلم أي شيء وأنهم كسالى ومرضى وغير منتجين ولكثرة ما تردد هذه الأقوال في مسامعهم يقتنعون بها ويفقدون - بالتالي - الثقة في أنفسهم والأغرب انهم يزدادون ثقة بقاهر هم الذين يمثلون في نظرهم المعرفة والقدرة على تسيير الأمور، فالمعرفة عند هؤلاء تستقي من المعلم ولا يثقون في أي معرفة قد خبروها من هذا العالم الذي يعيشون فيه أو من علاقتهم مع الآخرين، فهؤلاء الرجال لا يتصورون أنهم يعرفون شيئا، ولعل ذلك تصرف طبيعي من رجال يمارسون الازدواج.