مخاض جديد والذين يولدون في هذا المخاض لا بد أن يسلكوا سلوكا مغايرة لأنه من غير المعقول أن يظلوا محتفظين بقيمهم القديمة، وهكذا فإن السبيل الوحيد لفهم خصائص حياة المقهورين وسلوكهم هو مزاملتهم والاندماج معهم ولا يعني ذلك أن المقهورين يخلون من مثل هذا التناقض فهم في كثير من الأحيان يمارسون نوعا من الازدواجية وذلك حين يحسون القهر ثم يبررونه بالصورة التي جسدوها في داخل أنفسهم لحقيقة قهرهم. أنهم يحكمون على أنفسهم حكم قاسيا حتى تتجلى لهم
حقيقة القهر ظاهرة، ففي هذه المرحلة يبدأون في تملك الشجاعة التي تنفي عنهم الاتكالية وتجعلهم يعتمدون على أنفسهم، وبدون هذا الاحساس فسيظلون معتمدين على رؤسائهم قائلين هم ماذا نفعل؟ انا مجرد فلاحين.
وعندما نحاول تحليل تلك القدرية التي يتميز بها المقهورون فسنجد أن لها جذور اجتماعية وتاريخية فهي غالبا ما تقترن عندهم بالحظ أو المصير الذي هو من صنع الله ولا يد للانسان فيه فمن خلال ممارسة المقهورين للسحر والأساطير يصل الفلاحون الى قناعة مؤداها أن كل ما يلحق بهم من عناء واستبداد هو من مشيئة الله وكأن الله هو سبب هذه الفوضى المنظمة، فالمقهورون بانغاسهم في حقائق الحياة وامتثالهم لحقيقة القهر المستبطنة داخلهم لا يتأتي هم ادراك حقائق الوضع المزري الذي يعيشون فيه، فبدلا من أن يتوجهوا بالعنف نحو الواقع الذي يعيشون فيه، تجدهم يحولون هذا العنف الى زملائهم من أجل أتفه الأسباب.
يقول و فرانز فانون، في كتابه (معذيو الأرض، و أن المستعمر بنفس عن الظلم المتراكم في عظامه أول مرة في ابناء طينته، ففي هذه المرحلة يبدأ الزنوج في ضرب بعضهم بعضا، وفي هذه المرحلة لا يعرف البوليس أو القضاة في شال أفريقيا الوجهة التي يتجهون اليها، ففي الوقت الذي يضرب فيه المقيم أو رجل البوليس المواطن حتى يجعله يجثو على قدميه فان هذا المواطن تجده لا يستل سكينه أو بثأر لنفسه الا من أول بادرة تبدر من أحد مواطنيه ولعله بانتقامه من مواطنه يحتفظ لنفسه بآخر الخيوط التي تتعلق بها شخصيته)
ومن الجائز أن المقهورين يتعرضون لزملائهم المواطنين لأنهم يعرفون أنهم