تحول دون ممارسة الأغلبية لوجودها الانساني، وعلى أي حال فانه في اللحظة التي يتحول فيها النظام الجديد الى بيروقراطية متحجرة يفقد النضال دوره الانساني ويتعذر حينئذ الحديث عن الحرية وذلك ما يؤكد موقفنا من أن الحل الأمثل لعلاقة القاهر والمقهور لا يتحقق بمجرد قلب الوضع - أي بأن يصبح المقهور قاهرة وحسب. ففي مثل هذا الوضع لا يشعر القاهر السابق أنه قد حرر وإنما يشعر بأنه قد أخذ يتجرع مرارة القهر الذي أذاقه بغيره فيا قبل، فالقاهر السابق قد تعود على أن يأكل ويلبس ويتعلم ويسمع بيتهوفن في الوقت الذي لا تجد فيه الملايين شيئا مما مجد، وأي وضع يغير هذه الحقيقة في نظر هؤلاء هم افتئات على حرياتهم الشخصية ذلك أن القاهر السابق لا يعرف من الانسانية الا نفسه أما الآخرون فانهم مجرد أشياء. وهكذا فان الحق في نظر هؤلاء هو أن يمارسوا الحياة في سلام وطمأنينة أما غيرهم فلا يحق لهم الا مجرد العيش وقد ينكرون عليهم هذا الحق في بعض الأحيان، ولعلهم لم يكونوا يعترفون للمقهورين بهذا الحق لولا أن ذلك ضروري بالنسبة لهم. وهذا النحو من فهم العالم هو الذي يجعل القاهرين يقاومون قيام أي نظام جديد.
ولعله بمجرد أن ينشأ موقف قائم على العنف فانه يؤثر على سلوك الداخلين فيه بأجمعهم سواء كانوا قاهرين أو مقهورين، فالعنف هو ظاهرة ظل يمارسها القاهرون جيلا بعد جيل والأجيال التي تتأقلم في جوه يصبح هذا السلوك جزءا من مكوناتها وذلك ما يغذي في القاهرين حب التسلط والامتلاك للعالم والرجال، فالقاهرون لا يستطيعون تبين حقيقة أنفسهم الا حين يقومون بدورهم كقاهرين.
يقول «فروم، انه بدون هذه النزعة الامتلاكية فإن القاهر يفقد اتصاله - بالعالم، ذلك أنه بطبعه يحول كل شيء حوله الى وجود خاضع لسلطته بصرف النظر
عن كون هذا الوجود أرض أم زمنا أم رجالأ.
وهكذا في غمرة رغبتهم الجامحة في الامتلاك فان القاهرين يولدون من داخل أنفسهم قناعة بأن في مقدورهم تحويل كل كائن في هذا العالم إلى شيء يدخل في