يتصدى لثقافة التسلط، ففي المرحلة الأولى يبدأ المقهور رؤية جديدة لعالم القهر المفروض عليه وفي المرحلة الثانية ينزع عن نفسه الأوهام التي خلفتها في نفسه ظروف الوضع السابق، وعلى ذلك فان تعليم المقهورين في المرحلة الأولى لا بد له أن يستثير الوعي بحقيقة وجود المقهور وحقيقة وجود القاهر أو بمعنى آخر حفيفة وجود رجال يمارسون القهر على الآخرين ورجال يعانون من ويلات هذا القهر. لا بد هذا النوع من التعليم من ملاحظة سلوك المقهورين وأخلاقياتهم ونظرتهم للعالم، ذلك أن المقهورين يمارسون في كثير من الأحيان وجودا متناقض أصلته فيهم نزعة الاضطهاد والعنف، وعلينا أن نعرف أن أي وضع يستغل فيه انسان انسانا آخر أو يعطل قدراته في تحقيق ذاته هو ضرب من القهر العنيف وان غلف في اطار من الكرم الزائف، ذلك أن مثل هذا السلوك يحول دون ممارسة الكينونة الذاتية للانسان.
ويتضح من ذلك أن وجود علاقة تقوم على القهر يعني بالضرورة وجود علاقة يسودها العنف ولا نعرف في التاريخ كله أن العنف قد بدأ به المقهور ون اذ كيف يتصور أن يكونوا البادئين وهم في حقيقتهم نتاج ممارسة العنف ضدهم بل كيف يمكن أن يبادر هؤلاء بالعنف والعنف هو في حد ذاته عمل موجه ضدهم، فمن المستحيل أذا أن يكون هنالك مقهور بدون أن يكون هنالك عنف قد مورس ضده، فالعنف لا يبدأ به الا القاهرون الذين لا يستطيعون ادراك الحقيقة الانسانية في غير أنفسهم، وبنفس المنطق فليس المفرع هو الذي يسبب الفزع وانما الذي يسب الفزع هم القساة الذين يبذلون كل قواهم من أجل تکثير طبقات المنبوذين.
ومن البدهي أن نقول ليس المسحوقون أصلا للطغيان، وليس المحتقرون أصلا للكراهية وانما أصل ذلك هم الذين يمارسون هذه الأمور ضد هؤلاء، ومن البدهي أيضا أن نقول ليس الذين سلبوا حريتهم هم الذين يستلبون حرية الانسان واما الذي يستلمها هم اولئك الذين جردوا هؤلاء من انسانيتهم، وبنفس المنطق نستطيع أن نقول أن الضعفاء لم يمارسوا القوة ضد الأقوياء وانما الذي مارس القوة ضد الضعفاء هم الأقوياء. وبرغم ذلك فان المقهورين في نظر القاهرين هم الذين