الصفحة 32 من 116

النضال من اجل التغيير، ذلك أنه من غير المعقول أن يرى الانسان موضوعية انجازه دون احساسه الذاتي بذاك، فحيث توجد الذاتية توجد الموضوعية ويستحيل توحيد الذاتية والموضوعية في موقف واحد لأن كليهما يتداخلان في علاقة جدلية متصلة. ان انکار أهمية الذاتية في عملية تغيير العالم والتاريخ هو ضرب من السذاجة والسطحية وهو كالاعتراف بالمستحيل أو كالاعتراف بعالم من غير جال، فالعالم والرجال يتفاعلان معا ولا يمكن أن ينفصلا، فلم ينکر مارکس هذه العلاقة المتفاعلة بين العالم والانسان كما لم ينكرها أي مفكر آخر، في نقده مارکس وحاول أن يحطمه بمنهجه العلمي ليس هو الذاتية أو السايكلوجية كظواهر لازمة بل كغابات يفسر بها العالم، فكما أن الحقيقة الاجتماعية الموضوعية لم توجد بالصدفة بل وجدت كنتيجة لجهود الانسان كذلك فان عملية التغيير لا تتم بالصدفة بل نتم نتيجة الجهود الإنسان، واذا كان الرجال هم الذين يتحدثون التغيير في الحقائق الاجتماعية فان تلك الحقائق تصبح بالضرورة عملا تاريخيا من صنع الرجال.

وهكذا فان الواقع الاجتماعي القهري هو نتيجة حتمية للتناقض القائم بيں القاهرين والمقهورين، واذا كانت مسئولية المقهورين تحتم عليهم النضال من أجل استعادة حريتهم مع أولئك المتضامنين معهم فان ذلك يفرض عليهم ادراك حقيقة الاضطهاد خلال عملهم النضالي، فمن أصعب الأمور التي تواجه العمل النضالي من أجل الحرية هو أن حقيقة القهر تفرض سطوتها على قلوب الرجال وتجعلهم مستغرقين فيها، وكما يقولون «فان القهر بدجن، وحتى لا يصبح الانسان فريسة اللقهر فان واجبه يحتم عليه أن يتحرر منه وينقلب عليه ولن يتم هذا الا بالنضال ووضوح الرؤية وارادة التصميم التي تستهدف تغيير العالم، فواقع القهر يبدو أكثر فاعلية، بل ويتحقق بشكل موضوعي حين نضيف اليه اعترافا بحقيقته وذلك ما يقابل العلاقة الجدلية بين الذاتي والموضوعي، ففي مثل هذه العلاقة يصبح العمل النضالي من أجل الحرية ممكنة وبغيره لا يمكن حل التناقض القائم في علاقة القاهرين والمقهورين، ولاجل أن يحقق المقهورون أهدافهم فان عليهم أن يواجهوا الحقيقة بروح قادرة على النقد والتجسيد الموضوعي، ذلك أن مجرد الاحساس بالواقع دون القدرة على نقده لا يؤدي إلى التغيير المطلوب لسبب بسيط هو أن مثل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت