الصفحة 30 من 116

هذا الأمل مطمح مثالية بل يجب أن يأخذ طريقه إلى الواقع، وسبيل المشهورين إلى ذلك هو أن يشنوا حربهم من أجل الحرية، ومتى أدرك هؤلاء حقيقة الاضطهاد وعرفوا أنه مجرد عقبة يمكن تجاوزها، كان ذلك بداية عملهم في طريق النضال، واذا كنا نركز على ضرورة مثل هذا الادراك، فإننا لا نعتبره وحده كافية من أجل تحقيق الحرية، فلا بد أن يصبح الأدراك قوة فعلية تحرك عملية النضال، فمجرد احساس المقهورين بأنهم يعيشون في علاقة جدلية يمثل وجودهم فيها النقيض المضاد الوجود الفاهرين هو في حد ذاته ضرب من التحرر، ولكن المقهورين لا يستطيعون تجاوز تناقضاتهم الا حين يقودهم هذا الاحساس الى بدء النضال من أجل

حريتهم، وليس الأمر كذلك بالنسبة للقاهرين، ذلك أن أحساس القاهر بكينونته كقاهر يسبب له ضيقا ولكن هذا الضيق لا يقوده إلى أن يتفاعل مع المقهورين في حركة واحدة، فالقاهر تحت ضغط الاحساس بالذنب قد يجعل من سلوكه أبويا تجاه المقهورين ولكنه لن يفعل شيئا لاخراجهم من دائرة الاعتماد عليه، فالتفاعل مع المقهورين يتطلب عملا لا يتقنه القاهرون لانه يدخلهم في دائرة أولئك الذين يختلفون عنهم، واذا صدق القول بأن الذي يميز المقهورين هو خضوعهم للاحساس بوجود السيد كما يقول هيجل، فإن الالتحام الحق مع هؤلاء يعني النضال الى جانبهم لتغيير الحقيقة الموضوعية التي جعلتهم يعيشون ضمير غيرهم. ولا يستطيع القاهر أن يظهر تضامنه مع المقهورين الا حين يتوقف عن اعتبارهم طائفة مبهمة ويبدأ في النظر اليهم كأفراد عوملوا بظلم وسلبوا أصواتهم بل وخدعوا في بيع أعياهم. هذه هي اللحظة التي يتوقف فيها القاهر عن استخدام عواطفه وانفعالاته الخاصة للمغامرة في تمثيل دور الحب، ذلك أن التضامن لا يوجد الا في حقيقة هذا الموقف العملية وهي حقيقة تؤكد أن الرجال بشر ومن حقهم أن يتحرروا.

وما دام تنافض القاهر والمقهور قائي فان من حقنا أن نبين أسباب هذا التناقض بشيء من الموضوعية وهنا لا بد لنا من التأكيد على أن الموقف الثوري يتطلب من الذي يكتشف في نفسه صفة القهر أو الانقهار أن يعدل موقفه لتطوير الموقف الأفضل، ولكي يتحقق هذا الموقف الثوري في الحياة الواقعية علينا أن نعترف بذاتية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت