الصفحة 26 من 116

رجل آخر من أجل تدجينه كي يتوافق مع الموقف المتغلب. وهكذا فان موقف المقهورين يكون دائما منسجم مع الملامح العامة خصائص القاهرين وبمجرد أن يتمثل المقهور دور القاهر ويحتفظ بملامحه داخل نفسه يغدو خائفة من الحرية، فالحرية تقتضي أن ينزع المقهور صورة القاهر من قلبه ويحل مكانها ذاتيته الخاصة واحساسه بالمسئولية، فهي تنتزع ولا تمنح ولأجل أن تبقى فلا بد أن يتعهدها الانسان بالرعاية المسئولة، فالحرية ليست مطمح يعيش خارج الإنسان أو فكرة تتحول الى أسطورة وانما هي في الحقيقة ضرورة لا غنى عنها من أجل كمال الانسان -

وهكذا فلأجل أن يتغلب الانسان على ظروف القهر فان عليه أن يتعرف على أسبابه حتى يتمكن من تطوير موقف جديد يحقق فيه انسانيته الكاملة، وعلى الرغم من أن ظروف القهر قد فرضت واقعا لا انسانية على المقهورين والقاهرين في نفس الوقت، فان على المقهورين مسئولية نضالية من أجل استعادة أنسانيتهم المفقودة وذلك أمر لا يستطيعة القاهرون لانهم لوثوا أنفسهم باضطهاد الآخرين. ولكن علينا أن نعلم أيضا أن المقهورين الذين أقلموا أنفسهم مع ظروف القهر لي يكون في مقدورهم النضال من أجل الحرية ما ظلوا يشعرون في قرارة أنفسهم بأنهم غير قادرين على القيام بمخاطرها، ولعل نضال هؤلاء لا يهدد القاهرين فحسب بل يهدد زملاءهم في القهر أيضا ولكن عندما يشعرون بدافع الى التحرر فستزداد قناعتهم بأن هذا الشعور لن يأخذ طريقه الى الواقع الا حين يصبح هدفا لجميع المقهورين. أما وهم مقيدون بعقدة الخوف من الحرية فانهم لا يستطيعون الاستجابة الى نداءات الآخرين او نداءات أنفسهم وسيفضلون حياة القطيع على الزمالة الحقة أو لعلهم يفضلون التوافق مع واقعهم غير المتحرر على ذلك الابداع الجماعي الذين يتحقق لهم بفضل الحرية أو النضال من أجلها.

ويبدو من ذلك أن المقهورين يعانون من ازدواجية انغرست في ضمائرهم، فعلى الرغم من أنهم يشعرون بأنهم من غير الحرية لا يستطيعون تحقيق وجودهم الذاتي فانهم في نفس الوقت يخشون الحرية ويزاوجون بين أحساسهم الخاص وأحساس القاهر المتمثل في ضمائرهم وهكذا يحتدم الصراع بين أن يكونوا أنفسهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت