الصفحة 22 من 116

بحاجتهم إلى النضال ضد أولئك الذين حالوا دون ممارستهم لوجودهم الانساني الكامل، غير أنه من أجل أن يصبح هذا النضال ذا جدوى فإن على المقهورين الا يمارسوا في النهاية دور القاهرين، بل عليهم أن يدافعوا عن انسانيتهم وانسانية قاهر بهم في نفس الوقت، ذلك أن المضطهدين الذين يمارسون القهر والاستلاب والاغتصاب بفضل ما يتمتعون به من قوة، لا يمكنهم وهم تحت نشوة الاحساس بالسطوة تحرير أنفسهم أو تحرير مقهوريهم، فالقوة التي تنبع من ضعف المقهورين هي وحدها الكفيلة بتحقيق الحرية لهم ولغيرهم. ولما كانت أي محاولة يقوم بها القاهرون من أجل تخفيف سطوتهم على المقهورين هي نوع من الكرم الزائف المقترن دوما باستمرار الظلم، فيجب التنبه إلى أن مثل هذا الكرم الزائف لا يزدهر الا في اطار نظام اجتماعي غير عادل يتسم بالموت واليأس والفقر، فالكرم الحقيقي هو الذي يتجسد في محاربة وتحطيم الاسباب التي تزدهر في بيئتها ظواهر الكرم الزائف، ذلك أن مثل هذا النوع من الكرم يغل أيدي الخائفين والمحطمين والمنبوذين المرتعشة، أما الكرم الحقيقي فهو الذي يجعل تلك الأيدي تمتد طويلا، لا من أجل التسول بل من أجل مزيد من العمل الانساني الموعود بتغيير الحياة.

ويبدو من ذلك أن الدرس وتجربته لا بد أن يأتي من قبل المقهورين والذين يتعاطفون معهم، ذلك أن النضال من أجل استعادة انسانية المقهورين هو في واقعه امتلاك لناحية الكرم الحقيقي، فمن أفضل من المقهورين في معرفة حقيقة مجتمع الاضطهاد؟ ومن أكثر من المقهورين يعاني ويلات ذلك المجتمع؟ بل من أحق من المقهورين في فهم حاجتهم إلى تحقيق الحرية؟ بيد أن الحرية لا تتحقق بالصدفة، وانما بالنضال المدرك لضرورة تجسيدها، وهو نضال أساسه الحب ويقف في كل الظروف نقيض لشعور العنف والكراهية اللذين تعتمل بهما قلوب القاهرين.

حقا فإن بعض المقهررين - خلال مرحلة النضال. بدلا من أن يناضلوا من أجل تحقيق حريتهم فانهم يجنحون الى ممارسة دور القاهرين وأشباههم وهذا المظهر في واقعه انعكاس للواقع المتناقض الذي ظلوا يعيشون فيه، فقد حلم هؤلاء بأن يصبحوا رجالا ولكن صورة الرجل ظلت في مخيلتهم هي صورة القاهرة، لأن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت