الصفحة 72 من 242

الجبهة التحرير الوطني في فيتنام، وعن جريمة اختلاس محلية، وعن إضراب ما، وعن موجة الحر الشديدة، يتحدى أي حكم أو تقويم. وفي وضع كهذا، يتم التخلي عن عملية الفرز العقلي التي تساعد عادة على بلورة المعنى، ويتحول العقل إلى غربال صب من خلاله يوميا عشرات التصريحات والإعلانات أقلها مهم، وأكثرها لا أهمية له، وبدلا من أن يساعد الإعلام على تركيز الإدراك وبلورة المعنى، نجده يسفر عن الإقرار الضمني اللاشعوري) بعدم القدرة على التعامل مع موجات الأحداث المتلاحقة التي تظل تطرق بإلحاح وعي المرء، فيتعين عليه، دفاعا عن النفس، أن يخفض باستمرار الدرجة التي تبدأ معها حساسيته.

ففي مدينة نيويورك، على سبيل المثال، تطرح الطبعة الثانية من الصحف قبل منتصف الليل بساعة ونصف. وتتمثل أهمية صحف الغد في أنها تحيل أخبار اليوم إلى بضاعة بائتة. وبعد التخلص من يومها، تستأنف الحياة حركتها إلى مجموعة أخرى من الأحداث التي لا رابط بينها. على أن الأحداث ذات المغزى تحتاج لاستيعابها إلى فترة من الزمن. وليس مما يسهل فهم هذه التطورات أن تنقل الأقمار الصناعية رسائل الأخبار كل تسعين ثانية. فالانشغال التام باللحظة يدمر الروابط الضرورية بالماضي.

والواقع أن التكنولوجيا المتطورة التي تتيح وتسهل المتابعة الإعلامية الفورية ليست موضوع النقاش، فالتكنولوجيا موجودة ويمكن لها، في ظروف مختلفة، أن تكون مفيدة، إنما يتعلق الأمر باستخدام النظام الاجتماعي الحالي للوسائل التقنية للاتصال السريع من أجل التشويش، على المعنى، أو استئصاله في الوقت الذي يزعم فيه أن هذه السرعة تعزز الفهم والاستنارة. إن اقتصاد المؤسسات الخاصة متعددة الشركات يسيء تطبيق الوسائل التقنية للاتصال الحديث.

فتكنولوجيا الاتصال، باستخداماتها الحالية، تروج لتوجهات بلا تاريخ، وبالتالي فهي توجهات مضادة للمعرفة.

إن من السهل أن نتخيل نوع التصميمات الإلكترونية التي تستخدم فورية المتابعة، بوصفها إضافة وإكمالا لبناء سياقات ذات معنى. لكننا لا نستطيع أن نعتقد بالسهولة نفسها أن فورية المتابعة، بوصفها أداة تضليل، سوف يتم التخلي عنها في الوقت الذي تخدم فيه سائسي العقول من خلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت