الصفحة 70 من 242

2 -فورية المتابعة الإعلامية Immediacy of Information

ترتبط الفورية ارتباطا وثيقا بعملية التجزيء، بل وتشكل في الواقع عنصرا ضروريا من عناصر وجودها. ويساعد هذا الطابع الآني اللحظي على تزايد القوة التضليلية لأجهزة الإعلام. ذلك أن المادة الإعلامية سريعة الزوال، لا تخلف وراءها أي بنية باقية أو ثابتة، لذا فهي تعوض أيضا عملية الفهم، ورغم ذلك تظل اللحظية أو الفورية-أي تسجيل الأحداث والتعليق

عليها فور وقوعها من أهم مبادئ الصحافة الأمريكية وأكثرها تبجيلا. وينظر إلى تلك الأنظمة الاجتماعية التي لا تقدم الإعلام الفوري، على أنها متخلفة بصورة ميئوس منها ومفتقرة إلى الكفاءة أو على أنها- وتلك تهمة أكثر خطورة-فاشلة اجتماعيا.

لكن سرعة الأداء ليست ميزة في حد ذاتها. ففي أمريكا يحول النظام التنافسي وقائع الأخبار إلى سلع، ويتحقق الامتياز لمن يسبق الآخرين في الحصول على تلك السلعة السريعة التلف (أي الأخبار) وبيعها للمستهلك. ومن الأمثلة النموذجية لذلك حالة جاك أندرسون، وهو كاتب عمود يومي حقق نجاحا كبيرا، وسجل خبطات صحفية عديدة نالت شهرة واسعة. فقد انساق إلى توجيه العديد من التهم، على الهواء، ودون وثائق، ضد توماس إيجلتون، الذي كان يخوض معركته من أجل البقاء ضمن لائحة مرشحي الحزب الديمقراطي عام 1972 لمنصب نائب الرئيس. وعند مواجهته بعدم صحة معلوماته، وبعد أن أضير إيجلتون ضررا بالغاء اعتذر أندرسون بتوجيه اللوم إلى «الوضع التنافسي» ، فلو أنه لم يشرع في اتهامه، لسبقه صحفي آخر إلى ذلك (20) .

إن عملية نشر المعلومات في الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية الأخرى، باستخدامها الإلكترونيات الحديثة وبانسياقها وراء دوافع التنافس، تجري ممارستها أغلب الوقت في جو من الضغط والتوتر. فعند وقوع أزمة فعلية أو حتى كاذبة، ينشأ جو هستيري محموم بعيد تماما عن المعقولية. ويؤدي الإحساس الزائف بالطابع الملح للأزمة المترتب على الإصرار على فورية المتابعة، يؤدي إلى النفخ في أهمية الموضوع، ومن ثم تكون الخطوة التالية إفراغه من أي أهمية. ونتيجة لذلك تضعف القدرة على التمييز بين الدرجات المتباينة للأهمية. فالإعلان متلاحق السرعة عن تحطم طائرة، وعن هجوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت