الإعلان، فضلا عن وظائفه المعروفة مسبقا والمتمثلة في بيع السلع واستثارة
حاجات استهلاكية جديدة وتجميل النظام، يوفر خدمة أخرى لا تقدر بثمن الاقتصاد المؤسسات الضخمة المتعددة الشركات. ذلك أن إقحامه في كل قنوات الإعلام والأعمال الإبداعية يختزل قابلية الجمهور، الواصلة أصلا إلى حدها الأدنى، لاكتساب أي إحساس بالمعنى الكلي للحدث أو القضية أو الموضوع المطروح.
على أن من الخطأ الاعتقاد بأن إلغاء الإعلان، أو تحجيمه، يمكن أن يؤدي إلى أن يتم تناول الأحداث من خلال المنهج الكلي الذي لا غنى عنه، الفهم تعقيدات الوجود الاجتماعي الحديث، فالإعلان يفيد النظام، خلال التماسه الفائدة لمموليه، بصورة اتفاقية من حيث إن استخدامه يساعد على زيادة التجزيء.
وفضلا عن ذلك فإن من السذاجة بمكان أن نتصور أن الجهاز الإعلامي، أخطر أدوات السيطرة في يد النظام، سوف يكشف عامدا عن الكيفية التي تمارس بها السيطرة، فلننظر على سبيل المثال إلى الطريقة التي يتم بها توضيب أي برنامج تلفزيوني أو إذاعي عادي، أو الصفحة الأولى لأي صحيفة يومية كبيرة، سنجد أن السمة المشتركة بينها جميعا هي التباين الكامل للمادة، والإنكار التام للترابط بين الظواهر الاجتماعية التي يتناولها الحديث، أو التعليق، وتمثل برامج الحوار، التي تتكاثر في المحيط الإذاعي والتلفزيوني، النموذج المثالي للتجزيء بوصفه شكلا عاما. فالإقحام العرضي لموضوع خلافي، أو لشخصية مثيرة للجدل في برنامج متعدد الفقرات، يؤدي إلى تهدئة وتسطيح أي جدل يمكن أن يثار. وسرعان ما يتوارى كل ما قيل من آراء خلف ما يعرض بعد ذلك من إعلانات، ونكات، ودردشات، أو أخبار اجتماعية خفيفة، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. فبرامج هذه طبيعتها يتم تمجيدها بوصفها شاهدا على التسامح المطلق للنظام، وتتباهي وسائل الإعلام، والمسيطرون عليها بانفتاح الجهاز الإعلامي الذي يسمح بإذاعة تلك المادة النقدية على الأمة. ويقبل جمهور المشاهدين بهذا الكلام ويقنع تماما بأنه يحصل على تدفق حر للأراء
إن أحد المبادئ المنهجية للعلم الصالحة تماما للتطبيق فيما يتعلق بالنشاط الإنساني، هو الحتمية البيئية المتعلقة بالاعتراف بالترابط الداخلي. وعندما