الصفحة 64 من 242

واحد (17)

إن التجزيئية أو الحصر داخل بؤر، هو الشكل العام السائد والوحيد في الواقع لعملية توزيع المعلومات والأخبار في أمريكا الشمالية. فأخبار المذياع والتلفزيون تتسم بطابع التكرار الآلي (آلية طلقات المدفع) الموضوعات كثيرة لا رابط بينها، أما الصحف فهي حشد من الصفحات المحشوة بمواد يتم تدبيجها على نحو جزافي في أغلب الأحيان، أو تماشيا مع القواعد الملغزة للصحافة، وتتعمد المجلات تقطيع المقالات ونقل معظم النص في صفحات العدد الداخلية، بحيث يتعين على القراء تقليب العديد من الصفحات الممتلئة بالمادة الإعلانية حتى يتابعوا القراءة. كذلك يتم قطع برامج الإذاعة والتليفزيون بصفة مستمرة لإذاعة فقرات إعلانية. ولقد تغلغل الإعلان عميقا في الحياة الداخلية للمستمع والمشاهد الأمريكي حتى إن برامج الأطفال والتي يقال: إنها توضع خصيصا لأهداف تربوية، أصبحت تستخدم النمط الفني للإعلان التلفزيوني السريع الإيقاع، والمتقطع رغم عدم وجود شواهد قوية على أن فترات انتباه الأطفال تتميز بالقصر، وأنهم في حاجة إلى القطع المتواصل (18) . بل يمكن القول إن الإطالة التدريجية لفترة الانتباه تمثل في الواقع عاملا بالغ الأثر في تطور ذكاء الأطفال. ومع ذلك فإن برنامجا مثل Street Sesame وهو برنامج للصغار يلقى استحسانا واسع النطاق، لا يتميز في شيء من حيث أسلوب أدائه عن البرامج التجارية الغثة الخاصة بالبالغين، والتي يتعين عليه أن يبني شكله العام على أساسها وإلا فقد جمهوره من الأطفال المتكيف أصلا مع برامج الإعلان التجاري.

وتزداد حدة التجزيئية في الأداء الإعلامي من خلال حاجة اقتصاد الاستهلاك لملء فراغات الاتصال بتوجهات تجارية في طابعها. فالحث على الشراء يحاصر الإنسان من كل اتجاه متاح. إذ يجري استخدام الأنفاق، والطرق الرئيسة، والخطوط الجوية، والبريد، والسماء نفسها (الكتابة السماوية) (*1) أدوات للهجوم الإعلاني الجارف. وتؤدي اللامبالاة الكاملة التي يتعامل بها الإعلان مع أي حدث سياسي، أو اجتماعي (بإصراره على إقحام نفسه عنوة وبغض النظر عن طبيعة الموضوع إلى اختزال جميع الظواهر الاجتماعية إلى مجرد حوادث غريبة لا معنى لها. وعلى ذلك فإن

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*1) كتابة ترسم في السماء بمادة مرئية (كالدخان) تنفثها طائرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت